اختتام الجلسة السنوية الـ 130 في قاديان بخطاب لحضرة الخليفة ميرزا مسرور أحمد، حثّ فيه الجماعة على سلوك طريق الحقّ وتبنّي الرحمة تجاه البشرية جمعاء.
"إن تجديد عهد البيعة بصدق القلب والمداومة على تذكّره واجب على كل أحمدي" - حضرة ميرزا مسرور أحمد
في 28/12/2025، ألقى حضرة ميرزا مسرور أحمد، الخليفة الخامس، إمام الجماعة الإسلامية الأحمدية العالمية، الخطاب الختاميّ للجلسة السنويّة الـ 130 للجماعة الإسلامية الأحمدية في قاديان، الهند.
ترأس حضرته الجلسة الختامية من قاعة مسرور في إسلام أباد، تيلفورد، بينما تجمع أكثر من ثلاثة عشر ألف مشارك في موقع الجلسة في قاديان، الهند. وفي الوقت نفسه، تجمع أكثر من ثلاثة آلاف وثلاثمائة شخص في إسلام أباد، تيلفورد، المملكة المتحدة، للمشاركة في الجلسة.
بالإضافة إلى ذلك، أعلن حضرة الخليفة أن المسلمين الأحمديين في عدة دول أخرى، منها النيجر، وبوركينا فاسو، والسنغال، وغيانا الفرنسية، وجمهورية التشيك، وغينيا بيساو، وتوغو، والكونغو كينشاسا، وألمانيا، قد نظموا لقاءات جماعية للمشاركة في الجلسة الختامية. كما أشار إلى أن بعض هذه الدول تعقد في الوقت نفسه جلساتها السنوية الخاصة مما يعكس النطاق العالمي الحقيقي لهذا الحدث.
وخلال كلمته، تحدث حضرة الخليفة عن الغاية الحقيقية من الجلسة السنوية، والمسؤوليات المترتبة على البيعة، والحاجة المُلحة إلى الاستقامة الحقيقية داخل الجماعة.
في البداية، أشار حضرته إلى أن جلسة قاديان قد وصلت إلى نهايتها، واستذكر كلمات مؤسس الجماعة الإسلامية الأحمدية، حضرة ميرزا غلام أحمد، المسيح الموعود (عليه السلام)، الذي وصف هذا التجمع بأنه قائم على دعم الحق ورفعة الإسلام، وليس مؤتمرًا عاديًا.
وأكد حضرة الخليفة على أن تحقق هذه النبوءة بات جليًا في جميع أنحاء العالم، حيث يشارك أفراد من مختلف الأمم والخلفيات في مجالس دينية في شتى بقاع الأرض. وأشار إلى أن قاديان، التي كانت مدينة مجهولة، أصبحت اليوم مركزاً للتجمعات الدولية، بمشاركة عشرات الدول.
قال حضرة ميرزا مسرور أحمد:
"نرى اليوم أن هذه الجلسات تُعقد في كل مكان في العالم، وتنضمّ إليها الأمم كما قال المسيح الموعود عليه السلام. إن قاديان قرية لم يكن أحد يعرفها، ولكنها أصبحت اليوم تضم في هذه الجلسة أناسًا وأممًا من بلدان مختلفة. ووفقًا للمعلومات المتوفرة حاليًا، هناك تمثيل من سبع وثلاثين دولة في هذه الجلسة."
وتابع حضرته قائلًا:
"فهذا الأمر دليل واضح على أن هذه الجلسة مشمولة بتأييد خاص من الله تعالى. ولكن يجب علينا مع ذلك أن نتذكر أنه لن ينتفع ببركاتها إلا من يثبت على بيعته التي عاهد بها حضرة المسيح الموعود عليه السلام. أما مَن لا يولي اهتماما لتحسين حالته الروحانية والأخلاقية وتقدمه فيهما، فإنه لن يستطيع الانتفاع ببركاتها".
وأشار حضرة الخليفة إلى أن وسائل الإعلام المعاصرة والتقنيات الناشئة تُعرّض الأفراد باستمرار لمحتوى، حتى وإن لم يُفضِ مباشرةً إلى ارتكاب المعاصي، فإنه قد يُنمّي أفكارًا ضارة ويُضعف المبادئ الأخلاقية. وشدد على أن تجنب هذه التأثيرات وغض البصر وضبط الفكر جزءٌ أساس من ديننا.
كما أوضح أن الوفاء بروح البيعة الحقيقية يتطلب الامتناع عن جميع أشكال الفجور والفحش والظلم والكذب والفوضى والتمرد. وأن على الأفراد ألا يسمحوا لأنفسهم بالانقياد لشهواتهم الدنيوية، بل عليهم ممارسة ضبط النفس. وأشار إلى أنه بحماية النفس من هذه التأثيرات يُمكن للمرء أن يُؤدي واجبات البيعة على أكمل وجه.
بعد ذلك، تحدث حضرة ميرزا مسرور أحمد عن تأكيد المسيح الموعود (عليه السلام) على أهمية الصلوات الخمس اليومية.
قال حضرة الخليفة:
"قال المسيح الموعود (عليه السلام): "إذا ارتبطتم معي بعقد البيعة فأدوا الصلوات الخمس وفق أمر الله ورسوله، وحاولوا أداء صلاة التهجد أيضًا. ثم صلوا على النبي الكريم ﷺ، واطلبوا مغفرة ذنوبكم دائمًا، وداوموا على الاستغفار. تذكروا نعم الله تعالى وأياديه من كل قلوبكم، واجعلوا حمده وردكم اليومي".
وفي معرض إجابته على سؤال يُطرح كثيرًا حول كيفية التقرب إلى الله تعالى، أوضح حضرة الخليفة أن هذه العلاقة تُنمّى بالذكر والشكر لله. وقال إن البيعة نفسها ترسم طريقًا واضحًا، يُلزم المرء بتذكر نعم الله تعالى باستمرار، وجعل تسبيحه جزءًا لا يتجزأ من حياتنا.
قال حضرة ميرزا مسرور أحمد:
"فإذا حمدتموه وتذكرتم نعمه فإنكم ستنالون قرب الله تعالى تلقائيًا."
ثم قال إن من دخلوا في هذا العهد لا يجوز لهم أبدًا إلحاق أي ضرر غير مبرر بخلق الله، سواء بالقول أو الفعل أو أي وسيلة أخرى، وأن هذا الواجب يشمل جميع الناس، وخاصة المسلمين.
وأوضح حضرته كذلك أن الولاء الحق يقتضي طاعة الله المطلقة في جميع الأحوال. ففي السراء والضراء، على المؤمن أن يظل ثابتًا راضيًا بقضاء الله وقدره.
قال حضرة ميرزا مسرور أحمد:
"يجب أن نبقى مستعدين لتحمل كل معاناة في سبيل الله ولا نُعرض عنه تعالى عند مواجهة أي مشكلة أو مصيبة... فليس لنا ملجأ أو مأوى من دون الله، فلا مناص من الملاذ إلى الله وحده، وإذا توجهنا إليه منيبين وأدينا حقه بصبر فسوف يُنزل علينا أفضاله."
ثم أوضح حضرته أن أتباع المسيح الموعود (عليه السلام) قد تعهدوا أيضًا بالتخلص من العلل الروحية كالكبر والغرور.
قال حضرة ميرزا مسرور أحمد:
"قال المسيح الموعود (عليه السلام) إذا كنتم بايعتموني فلا بد لكم من التخلي عن هذه الأمراض، أي لا تتكبروا أبدا، تخلَّوا عن مرض التكبر والخيلاء نهائيا، ولا بد من التحلي بالحسنات كالتذلل والتواضع وحسن الخلق. ولا بد من التعهد بأننا سنعيش بحلم ورفق، عندها ستكونون أحمديين حقيقيين، إذًا يجب أن نضع هذه الصفات في الحسبان ونستعرض إلى أي مدى نتصف بها."
بعد ذلك، أوضح حضرته أن الدخول في البيعة يتطلب وضع الإيمان وشرف الدين فوق كل المصالح الشخصية. وأكد أن البيعة الحقيقية تستلزم الإخلاص التام في طلب رضا الله تعالى والاستعداد للتضحية عند اللزوم. ذكّر حضرة ميرزا مسرور أحمد الجماعة بأنه على الرغم من تجديد هذا العهد في مناسبات عديدة، فإن قيمته الحقيقية لا تكمن في التكرار اللفظي، بل في جعله نصب أعين المرء باستمرار، والسعي الدؤوب لتطبيقه عمليًا.
وأوضح حضرة ميرزا مسرور أحمد كذلك أن الرحمة بخلق الله من الإيمان، وأن هذه الرحمة يجب أن تنبع من رغبة خالصة في إرضاء الله.
قال حضرته:
"قال المسيح الموعود (عليه السلام) يمكن أن تؤدوا حق بيعتي عندما تواسون خلق الله، وهذه المواساة يجب أن تكون من أجل الله فقط، فانفعوا بني جلدتكم قدر المستطاع بالقوى والنعم التي أعطاكموها الله تعالى، بما فيها التضحية بالمال والوقت والمساعدة بطرق أخرى. إذن يجب على الإنسان أن يساعد خلق الله بكل طريقة ممكنة."
بعد ذلك، أوضح حضرة ميرزا مسرور أحمد أن الوفاء الحقيقي بالبيعة لا يتحقق إلا بالطاعة الكاملة والولاء التام للمسيح الموعود (عليه السلام). وبيّن أن هذه الطاعة يجب أن تكون عملية، وأن تنعكس في سلوك المرء والتزامه بالتعاليم والأهداف التي بُعث من أجلها المسيح الموعود (عليه السلام).
وفيما يتعلق برسالة المسيح الموعود (عليه السلام) والأهداف التي أُرسل من أجلها إلى هذه الدنيا، قال حضرة ميرزا مسرور أحمد:
"جاء سيدنا المسيح الموعود عليه السلام في الدنيا لكي يزيل الغبار الذي أصاب تعليم الإسلام بمرور الزمن وبسبب أناس فاسدين، ولكي يقدم الإسلامَ للعالم جليا مشرقا، ويقدم للناس الدينَ الحقيقي الذي كان النبي ﷺ قد بُعث به، ويسعى ليعملوا به وأن يشكِّل من أجل ذلك جماعة. فهذه هي الأهداف التي من أجلها كان قد بُعث، فلذلك قال: عندما ستطيعونني طاعةً تامة لا تحول دونها علاقاتُ قرابةٍ أو صداقةٍ أو خدمةٍ، فعندها يمكن أن تؤدوا حق البيعة".
ثم حثّ حضرته كل فرد على التأمل الصادق في ذاته وتقييم مدى تطبيقه لهذه التعاليم في حياته اليومية. وأوضح أنه بينما تُتيح المشاركة في الجلسة فرصة قيّمة للارتقاء الروحي، فإن غايتها الحقيقية تكمن في تهيئة بيئة للعبادة. فمن خلال مؤسسة الجلسة، التي أسسها المسيح الموعود (عليه السلام)، تم خلق جو روحي يُعيد الناس إلى الله عز وجل.
قال حضرة ميرزا مسرور أحمد:
"يجب على كل أحمدي في العالم بأسره يستمع الآن إلى كلامي هذا، أن يتذكر دوما أن علينا أن نبذل كل سعي ممكن من أجل التقدم الروحاني والإيفاء بعهد البيعة، وأن نضع هذه الأمور في الحسبان، ونبذل قصارى جهودنا للعمل بها، وأن لا نحيد عن هذه الأمور أبدا."
وأكد حضرته أنه، وفقًا للمسيح الموعود (عليه السلام)، هناك صفة واحدة تفوق جميع الصفات الأخرى أهمية، وهي التقوى.
قال حضرة ميرزا مسرور أحمد، مستشهدًا بأقوال المسيح الموعود (عليه السلام):
"إن الكلام دون العمل لا ينفع شيئا. فإذا كنتم تريدون خدمة الإسلام وأداء حق البيعة فعليكم أولا أن تتحلّوا بالتقوى والطهارة، فستدخلون في ملاذ حصن الله الحصين، حيث لن يضركم أحد".
ثم تابع حضرته قائلًا:
"وقال عليه السلام في موضع آخر: "إن التقوى هي لُبُّ الشريعة. لو أردنا بيان الشريعة بإيجاز فإن التقوى هي لُبُّها".
فالتقوى هي الشيء الأساس الذي يجب أن نضعه في الحسبان دائما. إذا كانت فينا التقوى فعندها فقط ينفعنا كوننا مسلمين وأحمديين، وإلا فلا."
أوضح حضرة الخليفة أن قبول الدعاء مرتبطٌ ارتباطًا وثيقًا بالتقوى، وأن الله تعالى قد جعل التقوى شرطًا أساسيًا لقبول الدعاء. ولذلك، ذكّر حضرته الحاضرين بأن انتظار قبول الدعاء دون السعي إلى التقوى يعكس فهمًا خاطئًا للدين نفسه.
وشدد على ضرورة أن يسلك كل فرد من أفراد الجماعة طريق التقوى بجدٍّ واجتهاد. وقال إنه بذلك فقط يستطيع المرء أن يختبر الفرح والرضا اللذين ينبعان من قبول الدعاء وتعميق علاقته بالله تعالى.
قال حضرة ميرزا مسرور أحمد:
"فتذكّروا أن نصركم منوط بالتقوى، أي إذا كنتم لا تنتصرون فهذا يعني أنكم خِلْوٌ من التقوى ولستم مؤمنين صادقين، وأنكم لن تنجحوا إلا إذا تحليتم بالتقوى. هناك شكاوى بأن الأوضاع في مكان كذا ليست على ما يرام، وأن هناك مضايقات في مكان كذا، فليكن واضحا أن زوال هذه المضايقات والمحن يتطلب منا أن نتحلى بالتقوى، وأن ننشئ علاقة قوية مع الله تعالى، وأن نفحص أنفسنا بمنتهى الدقة لكي لا يصدر منا عمل ولا تصرف يكون مشوبا بأي نوع من الشرك، وألا يكون فينا شرك خفي من أي نوع. فهذا أمر في غاية الأهمية، وقد نصحنا به المسيح الموعود u مرة بعد أخرى، ويجب أن ننتبه إلى ذلك باستمرار دائما".
وقال حضرة ميرزا مسرور أحمد، مستشهدًا بقول المسيح الموعود (عليه السلام):
"قال المسيح الموعود (عليه السلام): "إنني أدعو كثيرا حتى يصيبني الضعف وأوشك على الإغماء والموت أحيانًا". أي إن هذا هو حالي بسبب الحزن عليكم، وإنني أدعو ليخلق الله مثل هذه التقوى في الجماعة".
ثم قال حضرة ميرزا مسرور أحمد:
"لذا عند سماع هذا، يجب أن نفحص أنفسنا، إلى أي مدى نفي بعهد البيعة سالكين سبل التقوى؟ إن حالة الذي بايعناه هي أنه كان يُغمى عليه أحيانا من كثرة الدعاء لنا ونتيجة حزنه علينا ويُصاب بالضعف، أما نحن فلا نؤدي حتى حقوق الله الأساسية، ولا نؤدي حقوق العباد بشكل كامل. فهذا الوضع يقتضي تفكيرا رصينا منا، وهو موقف خوف كبير، لئلا ينزع الله تعالى منا البركات التي يجب أن ننالها بالدخول في البيعة.
وقال عليه السلام أيضا: "ما لم تصبح أيّة جماعة متقية في نظر الله تعالى، فلا يمكن أن تشملها نصرته تعالى. لا تعُدّوا أنفسكم متقين بالنظر إلى أنفسكم، بل يجب أن تصبحوا متقين في نظر الله تعالى. فلا بد أن تكونوا متقين لتحظوا بنصرته"
وفي ختام كلمته، ذكر حضرة ميرزا مسرور أحمد دعاءً دعا به المسيح الموعود (عليه السلام) لأتباعه:
"يا ربَّ العالمين، لا أستطيع الشكر على مننك، فأنت رحيم وكريم جدا، ولك عليّ مننٌ لا تعدّ ولا تُحصى، فاغفرْ لي ذنوبي لئلا أَهلَكَ، وأَلْقِ في قلبي حُبَّك الخالص لأنال الحياة، واستُرْني وأوزِعْني أن أعمل صالحًا ترضاه. أعوذ بوجهك الكريم من أن يحلّ عليّ غضبُك. ارحمْني ونَجِّني من بلايا الدنيا والآخرة، لأن الفضل والخير كله بيدك".
ثم قال:
"إذن، فإن هذه الأدعية التي دعاها عليه السلام إنما دعاها لتعليمنا ونصحَنا أن ندعو بها. فادعوا بهذا الدعاء وأقيموا العلاقة مع الله تعالى، وادعوه ليوفقكم لتوطيد هذه العلاقة أكثر فأكثر. فإذا عملنا بهذه الأمور، فسنحقق بإذن الله تعالى الأهداف التي جاء سيدنا المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام من أجلها، والتي عاهدناه بتحقيقها عند البيعة. إذا أردنا أن نصبح وَرَثة أدعية المسيح الموعود عليه السلام، وخاصة وَرَثة تلك الأدعية التي دعاها للمشتركين في الجلسة، فيجب أن نضع هذه الأمور نصب أعيننا دائما."
ثم أوصى حضرته أبناء الجماعة بقراءة شروط البيعة والتأمل فيها باستمرار، ووضعها في بيوتهم.
قال حضرة ميرزا مسرور أحمد:
"ضعوا هذا الدعاء أمامكم دائما لفهم عهد البيعة وإعادته، ويجب أن تضعوه في مكان تقع عليه أعينكم. يضع الناس أشياء كثيرة في الإطارات، فإذا وضعتموه أيضا في الإطار فسيكون نافعا حتما."
وفي ختام كلمته، دعا حضرة ميرزا مسرور أحمد بالكلمات التالية:
"اللهم وفِّق كل واحد منا ليُحدث تغييرات طاهرة في حالته، وليسعي دائما للإيفاء بشروط البيعة. فبهذا الشأن قد أسدى سيدنا المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام نصائح لا حصر لها بألم بالغ، وقد ذكرتُ بعضها الآن أمامكم. فإذا أردنا أن نصبح وَرَثة نصائحه وأدعيته التي دعاها لنا، فيجب أن نغير من أعمالنا ونُحدث تغييرا واضحا في أنفسنا. عندما يحدث هذا، حينئذٍ فقط سنحقق الهدف من البيعة. اللهم وفقنا لذلك. وفقنا الله جميعا لذلك. آمين".








