الخطاب الذي ألقاه إمام الجماعة الإسلامية الأحمدية العالمية أمام الضيوف غير المسلمين في الجلسة السنوية للجماعة الإسلامية الأحمدية في ألمانيا 2018

بعد التشهد والتعوذ والبسملة، قال حضرة ميرزا مسرور أحمد (أيده الله تعالى بنصره العزيز):
"الضيوف الكرام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

في الآونة الأخيرة هنا في ألمانيا، وفي العديد من الدول الغربية الأخرى، اكتسب اليمين المتطرف مكانة بارزة وشهد ارتفاعًا في عضويته. السبب الأساس وراء هذه النزعة المحزنة هو أن المواطنين الأصليين في هذه الدول قد أصبحوا أكثر استياءً وإحباطًا، إنهم يشعرون بالإهمال وبأنه لا تتم حماية حقوقهم من قبل قادتهم وحكوماتهم.

مما لا شك فيه أن العامل الرئيس الذي أثار قلقهم هو تدفق المهاجرين إلى العديد من الدول الغربية في السنوات الأخيرة، وهذا بالتأكيد الحال هنا في ألمانيا التي استقبلت عددًا كبيرًا من اللاجئين في الآونة الأخيرة أكثر من أي دولة أوروبية أخرى. ونتيجة لذلك يخشى العديد من السكان المحليين من أن تتغير مجتمعاتهم إلى حد بعيد وتعجز عن استيعابهم، ويشعرون بأن موارد بلادهم تُستخدم بشكل غير متناسب لصالح المهاجرين.
وبينما يتم استخدام مصطلح "المهاجر"، فإن القضية الحقيقية لمعظم الناس هي "الإسلام" وحقيقة أن الغالبية العظمى من المهاجرين إلى أوروبا هم مسلمون فرّوا من بلدان مزقتها الحروب في الشرق الأوسط.

وهكذا، عندما يقوم اليمين المتطرف وأنصاره برفع الدعوات ضد الهجرة، فإن هدفهم الحقيقي هو الإسلام وهدفهم هو منع المسلمين من دخول بلدانهم، فهم يرون أن الإسلام لا يتوافق مع القيم الغربية، ويسعون جاهدين لنشر معتقدهم بأن المسلمين غير قادرين على الاندماج بنجاح في الغرب وأنهم يشكلون تهديدًا للمواطنين الآخرين.

علاوة على ذلك، يعتقد العديد من غير المسلمين أن الإسلام دين التطرف، ويتخيلون أن المسلمين المهاجرين متطرفون أو متعصبون دينيًا وسينشرون السم في المجتمع، وسيحرضون على الانقسام ويخلّون بسلام أمتهم ورفاهيتها. بالتأكيد، انتشر هذا الإحساس المنذر في بعض أجزاءٍ من هذا البلد، خاصة في ألمانيا الشرقية. وهكذا، كانت هناك تحركات وحملات لحظر بناء المساجد.

نحن، الجماعة الإسلامية الأحمدية، لم نعد في مأمن من مثل هذه المعارضة، حيث قامت بعض الجماعات هنا في ألمانيا بحملة نشطة ضدنا وسعت إلى منعنا من بناء مساجد جديدة. لقد قاموا بحملة ضدنا، على الرغم من أن شعارنا هو "الحب للجميع، ولا كراهية لأحد"، وعلى الرغم من حقيقة أنه منذ ما يقرب من 130 عامًا، كانت جماعتنا في الطليعة للترويج للسلام والأخوة والمحبة والمواساة في كل جزء من العالم.
يشهد تاريخنا على حقيقة أنه في أي مكان قمنا فيه ببناء المساجد، فإن مخاوف السكان المحليين قد تبخرت سريعًا، والذين نظروا إلينا في البداية بريب، أصبحوا بسرعة أصدقاءنا المخلصين ومؤيدينا الأوفياء.

في جميع أنحاء العالم، يشهد جيراننا بسعادة على حقيقة أن المسلمين الأحمديين هم أناس يروجون للسلام في المجتمع وينشرون فقط رسالة المحبة والمودة والمواساة الإنسانية، ومع ذلك، وبسبب الحالة المؤلمة للعالم الإسلامي ككل، كان على الجماعة الإسلامية الأحمدية أن تعاني من العواقب.
وهناك اتهام آخر يثيره أولئك الذين يعارضون الهجرة على نطاق واسع، وهو أن المهاجرين يقومون بالتحرش الجنسي أو مضايقة النساء.
للأسف، أشار تقرير حديث إلى أن نسبة عالية من عمليات الاغتصاب أو محاولات الاغتصاب في إحدى الدول الغربية قد ارتُكبت من قبل المهاجرين، الله أعلم إن كانت هذه الأرقام دقيقة، لكن عندما يتم نشر مثل هذه التقارير، فإنها تؤثر على الدول الأخرى كذلك، وتواصل بسببها مخاوف السكان المحليين في الارتفاع.

النقطة الأخرى التي ركز عليها العديد من السياسيين والأحزاب هي العبء الضريبي المطلوب لإعادة توطين المهاجرين، وبصرف النظر عن نفقات المعيشة اليومية، فإن تكاليف البنى التحتية الناتجة عن الهجرة واسعة النطاق كبيرة، وبالتالي فإن العبء المالي على الدولة كبير، وفي نهاية الأمر فإن دافعي الضرائب هم الذين يمولون ذلك، إن الأشخاص الذين عاشوا حياتهم يدفعون الضرائب في البلد، لديهم ما يبرر سؤالهم عما إذا كان من العدل صرف مساهماتهم إلى الدولة في إعادة توطين المهاجرين الأجانب بدلا من تمويل المشاريع التي تعود بالفائدة على المواطنين الحاليين.
ليس هنالك خلاف في أن هذه القضايا مشروعة وأسباب حقيقية للقلق، وإذا لم يتم التعامل معها بحكمة فإن التوترات في المجتمع ستستمر في الزيادة. بالإضافة إلى ذلك، حيثما يكون هناك هجرة واسعة النطاق فإن هذا يؤدي حتمًا إلى مشاكل أمنية. وفي الواقع، قد ثبت أن هنالك بعض المختفين بين اللاجئين الحقيقيين هم مهاجرون يسعون لإحداث ضرر كبير.

على سبيل المثال، قبل عدة أيام فقط أجريت مقابلة مع مهاجرة تعيش في ألمانيا، كانت في السابق قد اختُطفت واستُعبدت في العراق، فتحدثت كيف أنها قد صُدمت ورُوّعت من رؤية آسرها، وهو عضو في تنظيم إرهابي، ويعيش الآن في ألمانيا بحرية بعد أن جاء إلى هنا تحت ذريعة الاضطهاد.
هذا الأمر حذَّرتُ منه في الماضي، أنه ينبغي تحليل كل حالة بعناية لضمان ألا يُسمح للمتطرفين أو المجرمين الذي يتظاهرون بأنهم لاجئون بالدخول. على أي حال، تعني هذه القضايا أن الخوف من الهجرة الجماعية من الدول الإسلامية مبرر إلى حد ما.

ومع ذلك، من الناحية الأخرى، من الضروري أن ينظر الشخص العادل والذكي والحكيم إلى جانبي القصة ولا يكوّن انطباعه عن المسلمين والإسلام بناءًا على الشائعات فقط، فمجرد أن يصنف شخصٌ ما الإسلام دينًا للتطرف أو يدّعي أن كل المسلمين إرهابيون لا يجعل من الأمر حقيقة؛ بل من الأهمية بمكان تقييم الحقائق بعقلانية وموضوعية قبل التوصل إلى نتيجة. ومن ثم، قبل التوصل إلى استنتاج نهائي حول ما إذا كانت تعاليم الإسلام ذات طبيعة متطرفة، يجب عليك التحقيق ومعرفة الحقيقة. افحص ما إذا كانت الأفعال الشنيعة التي يقوم بها بعض المسلمين المزعومين تعتمد على تعاليم الإسلام؟ وادرس ما إذا كان الإسلام يسمح بالتطرف؟ أم أنه فرض عقوباتٍ شديدة على من ينشرون الفساد والكراهية؟ هل أذن الإسلام للمسلمين بخرق قوانين البلاد باسم دينهم؟ ما هي التوقعات التي يتوقعها الإسلام من المسلمين فيما يتعلق بسلوكهم في المجتمع؟ هل يشجع الإسلام المسلمين على أن يكونوا عبئًا على الدولة؟ أم أنه يشجعهم على العمل بجد وأن يكونوا مخلصين ويساهموا بفعالية في المجتمع الذين يعيشون فيه؟

إذا ثبت أن المسلمين الذين يرتكبون الأخطاء مدفوعين في ذلك من دينهم، فعندها يمكن القول إن مخاوف اليمين المتطرف مبررة، ولكن ماذا لو لم يكن لأفعالهم أي علاقة بالإسلام؟ ماذا لو كانت الجماعات المعادية للإسلام تقوم بنشر الأساطير البغيضة التي تستند فقط إلى الخيال بدلاً من الحقيقة؟"
في الوقت القصير المتاح، سوف أذكر بعض النقاط التي آمل أن تساعد في الإجابة على بعض هذه الأسئلة وتمكنكم من فهم الجوهر الحقيقي للتعاليم الإسلامية.

أولاً ، المبدأ الإسلامي الأساسي هو أنه عندما يتطلع المسلم للعيش بسلام، عليه أيضًا أن يسعى إلى توفير السلام والأمن للآخرين. كثيرًا ما يتحدث الناس عن الحروب التي خاضها الإسلام في صدره، ويقولون إنهم يثبتون بهذا أن الإسلام دين متعطش للدماء، ويسمح بالجبر والإكراه. ولكن في الواقع، تحمل المسلمون الأوائل ثلاثة عشر عامًا من الاضطهاد الوحشي والمستمر دون أن يقابلوا الأذى بمثله بأي شكل من الأشكال.
وبعد تلك الفترة الطويلة فقط، سمح الله عز وجل لهم أن يدافعوا عن أنفسهم، وهذا الإذن مذكور في الآيتين 40 و41 من سورة الحج في القرآن الكريم حيث قال تعالى:

"أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ" ولكن يقول القرآن الكريم بعد ذلك: "... وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا " فجميعها ستكون في خطر، وقد مُنح هذا الإذن لحماية حقوق جميع الناس في أن يعيشوا حياتهم بحرية ووفقًا لمعتقداتهم.

في الآية 100 من سورة يونس من القرآن الكريم، يقول الله تعالى مخاطبًا نبي الإسلام الكريم (صلى الله عليه وسلم) "وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ" فبدلًا من ذلك قد فضل الله تعالى أن تسود الإرادة الحرة. وبالمثل في الآية 30 من سورة الكهف من القرآن الكريم يقول الله تعالى إن على المسلمين أن ينشروا علانية رسالتهم وأن يعلنوا أن الإسلام دينٌ صادق، وفي الوقت نفسه ينص القرآن أيضًا على أن كل شخص حر في قبوله أو رفضه، حيث تقول الآية:
"فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ"

وفي القرآن الكريم، يشير الله تعالى إلى غير المسلمين ممن اعترفوا أن الإسلام دين سلمي ونافع، ومع ذلك رفضوا قبوله لأنهم يخشون من أن السير في طريق السلام والرحمة سيضر بمصالحهم المادية، تقول الآية 58 من سورة القصص:

" وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا"
هذه هي الصورة الحقيقية للإسلام، إنه يتطلب من كل مسلم أن يعيش بسلام وأن يساهم في مجتمعه. مما لا شك فيه أن المسلمين الذين يدعون أن الجهاد يعني مهاجمة غير المسلمين أو إدخالهم في الإسلام بالقوة مخطئون بشكل واضح. هذه المعتقدات والمواقف لا علاقة لها بتعاليم الإسلام. وهناك اتهام آخر يوجه للإسلام، والذي ذكرته سابقا، يتعلق بمعاملة النساء، ويخشى بعض غير المسلمين من أنه إذا هاجر المسلمون إلى الغرب، فإنهم سوف يفترسون النساء المحليات ويسيئون معاملتهن.

في الواقع، إن بعض المهاجرين كانوا مذنبين بارتكاب مثل هذه الجرائم، وقد أدى سلوكهم المخزي إلى استمرار هذه المخاوف والقلق، ونظرًا لهذا، دعوني أوضح بشكل قاطع أن أي مسلم ينتهك شرف المرأة أو يسيء معاملتها بأي شكل من الأشكال فإنه يتصرف بشكل كامل ضد تعاليم الإسلام. يعتبر الإسلام مثل هذا السلوك إثمٌ، وقد فرض عقوبات قوية استثنائية على المذنبين بارتكاب مثل هذه الجرائم اللاأخلاقية والشائنة.
على سبيل المثال، يقر الإسلام أنه إذا كان المسلم مذنباً بارتكاب مثل هذه الجريمة، فإنه يجب أن يجلد بشكل علني في مكان عام، وهكذا، إذا كنتم ترغبون حقا في استئصال مثل هذا السلوك، فينبغي عندئذ معاقبة المسلمين على ارتكاب مثل هذه الجرائم البغيضة وفقا للشريعة الإسلامية. على الرغم من أنني متأكد من أن الحكومات الغربية ستغضب من هذه الفكرة، ومن المؤكد أن نشطاء حقوق الإنسان سيعارضونها.
كما قلت سابقا، هناك قلق رئيسي آخر للمواطنين الحاليين هو أن استضافة اللاجئين هي مهمة مالية ضخمة تقع على عاتق الدولة، في هذا الصدد، لا يجوز لأي مهاجر أن يدخل دولة أخرى ولديه شعور بالاستحقاق، بل عليه التفكير مليًا في ما يمكنه تقديمه للمجتمع المحلي. لقد قلت مرارا قبل ذلك أنه ينبغي على المهاجرين أن يعتبروا أنفسهم مدينين للأمة التي قبلتهم. إنهم مدينون بالامتنان لكل من الحكومة والشعب، والطريق لسداد هذا المعروف هو أنه يجب ألا يضيعوا الوقت في البحث عن المزايا والفوائد من الدولة فقط؛ بل يجب أن يسعوا للمساهمة في المجتمع في أقرب وقت ممكن، يجب أن يعملوا بجد وأن يسعوا جاهدين للدخول إلى ميدان العمل، حتى لو كان العمل الوحيد الذي يمكنهم الحصول عليه هو العمل الشاق، وحيث سيمكنهم ذلك من الحفاظ على عزتهم وكرامتهم الشخصية، فإنه سيكون أيضًا وسيلة لتخفيف العبء عن الدولة وإزالة إحباط السكان المحليين. بالتأكيد، يجب على كل مسلم أن يضع في اعتباره أن نبي الإسلام الكريم (صلى الله عليه وسلم) قال: "اليد العليا خيرٌ من اليد السفلى"
في العديد من المناسبات، سعى الناس إلى مساعدة أصحابهم، لكنهم رفضوا قبول ذلك، وفضلوا كسب العيش بأنفسهم. وكما قلت، حتى إذا أجبر اللاجئون على القيام بوظائف وضيعة أو بسيطة، وهم يعتبرون أنفسهم مؤهلين أكثر من ذلك، فهذا أفضل من البقاء خاملين والانتظار من الدولة تغطية جميع احتياجاتهم. وإلا، فإن المهاجرين الذين يفشلون في المساهمة في المجتمع سيكونون وسيلة لزيادة التململ بين السكان على نطاق أوسع. وعلاوة على ذلك، إذا قدمت الحكومات بعض المزايا أو المساعدات المالية للمهاجرين، فينبغي عليها ضمان عدم إهمالها لاحتياجات السكان المحليين. في بعض البلدان، حصل المهاجرون على فوائد أفضل من المواطنين الذين يدفعون الضرائب وهذا أدى إلى هياج طبيعي بين أفراد الجمهور.

لا تُبدّد الإحباطات من تلقاء نفسها لأنه حيثما يكون هناك إحباط، يكون هناك رد فعل دائمًا. لذا، يجب على كل حكومة تنفيذ سياسات معقولة وعادلة تأخذ بعين الاعتبار حقوق ومتطلبات المواطنين والمهاجرين على حد سواء لا أن يُعطى المواطنون المحليون معاملة ومزايا أفضل.
قبل بضعة أيام، ذُكر أن الحكومة الألمانية تدرس سياسة جديدة يُطلب بموجبها من طالبي اللجوء القيام بخدمة مجتمعية لمدة عام عند الاستقرار في ألمانيا. يدّعي بعض النقاد أن هذا مجرد شكل من أشكال "العمالة الرخيصة" ولن يساعد في عملية الاندماج. ولكن، من وجهة نظري، فإن أي شخص يخدم مجتمعه المحلي فإنه يندمج من خلال هذه الخدمة ذاتها. في الواقع، مصطلح "خدمة المجتمع" مصطلح إيجابي لأنه يغرس الاعتقاد بأن من واجب كل شخص خدمة مجتمعه ومساعدة أعضاء المجتمع. وبالتالي، تستحق الحكومة الألمانية الثناء بدلاً من الانتقاد لهذه السياسة.
ومع ذلك، فإن مسؤوليات الحكومة المضيفة لا تقتصر على ترتيب خدمة المجتمع. بل عليهم أيضًا توجيه المهاجرين بطريقة يمكنهم من خلالها المساهمة في أسرع وقت ممكن في المجتمع. إذا لم يكن لدى المهاجرين المهارات اللازمة لدخول سوق العمل، فينبغي تزويدهم بشيء من التدريب أو التلمذة الصناعية حتى يتمكنوا من تطوير هذه المهارات في وقت قريب. أيُّ تكاليف يتم تكبدها في مثل هذا التدريب ستكون استثماراً قيماً لمستقبل الأمة.

وفيما يتعلق بالأمن، إذا كان هناك أي شك بشأن شخصية أو خلفيات بعض المهاجرين، فينبغي أن تكون السلطات متيقظة وتراقبهم حتى تشعر بالرضا بأنهم لا يشكلون خطرًا على المجتمع. قد يعتبر البعض هذه سياسة تدخلية، إلا أن حماية المجتمع من الخطر والحفاظ على سلام وأمن الأمة هما الهدفان الأساسيان لأي حكومة. بالتأكيد، إذا كان هنالك مهاجرون يأتون بهدف نشر الأذى أو خلق الفوضى، فإنهم يعارضون بشكل مباشر تعاليم الإسلام. في الواقع، تقول الآية 192 من سورة البقرة من القرآن الكريم " وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ" ففي حين أن جريمة القتل جريمة شنعاء بحق، إلا أن انتشار الفوضى وإثارة الكراهية جريمةٌ أكبر.

بالطبع، هذا لا يعني أن قتل شخص ما هو جريمة صغيرة أو غير مهمة. بل الآية تدل على أن تداعيات تأجيج لهيب الفوضى في المجتمع لا تزال أعلى. ففي نهاية المطاف، يمكن أن يؤدي الاستفزاز والتحريض إلى إلحاق ضرر جسيم بالمجتمع ويؤدي إلى صراعات وحروب يُستهدف فيها عشرات الأبرياء أو يُضطهدون.

لقد قال النبي الأكرم (صلى الله عليه وسلم) أيضًا إن المسلم الحقيقي هو من سلم الناس من لسانه ويده.
كيف يمكن إذن أن يقال بإن الإسلام دينٌ يشجع على العنف والتطرف؟
كيف يمكن أن يقال بإن الإسلام ينشر الفوضى في المجتمع؟
كيف يمكن الادعاء بأن الإسلام يسعى لانتهاك شرف النساء؟
كيف يمكن أن يقال بإن الإسلام يسمح لأتباعه باغتصاب ممتلكات أو ثروات الآخرين؟
أي شخص مذنب بارتكاب مثل هذه الجرائم، سواء بررها باسم الإسلام أم لا، هو بعيد كل البعد عن تعاليمه وسيحاسب على أعماله الوحشية. في كل الأحوال، يأمر الإسلام المسلمين بإظهار أعلى معايير النزاهة والفضيلة. على سبيل المثال، تقول الآية 189 من سورة البقرة من القرآن الكريم "وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ"، قد نبه الله سبحانه وتعالى المسلمين إلى أنه لا يجوز لهم أبدا الحصول على الثروة أو الممتلكات بالخداع، بل عُلّم المسلمون أن يكونوا صادقين وجديرين بالثقة وأن يدعموا الحق من جميع النواحي.

وبالمثل، في الآيات 2-4 من سورة المطففين، عُلّم المسلمون أهمية التعامل العادل في مسائل الأعمال والتجارة. يقول الله عز وجل: "وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ"

تشير هذه الآيات إلى أن أولئك الاستغلاليون في المعاملات التجارية، الذين يسعون للحصول على منفعة غير عادلة لأنفسهم على حساب الآخرين، ملعونون وسوف يتعرضون للإذلال في نهاية المطاف. والحقيقة هي أن الإسلام قد صان المجتمع من جميع أشكال القسوة والظلم وحمى حياة وممتلكات كل فرد. ولذلك، فإن من دواعي الأسف والحزن العميق أن يستمر الناس في تقديم ادعاءات كاذبة ضد الشخصية المباركة للنبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، بينما هو الذي أحدث ثورة روحية وأخلاقية فريدة في المجتمع. في الواقع، لم يكن في تاريخ البشرية أبدًا مثل هذه النماذج من النزاهة الأخلاقية التي أظهرها المسلمون الأوائل. إذا تشاجر أصحابه، فلم يطلبوا الفدية من بعضهم بعضًا؛ بل تأكدوا من أن حقوق الطرف الآخر قد تم الوفاء بها.

على سبيل المثال، جاء مرة صحابي من صحابة النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى السوق لبيع حصانه مقابل 200 دينار. عندما جاء صحابي آخر لشراء الحصان، أخبره أن 200 دينار مبلغ زهيد جدًا وأن السعر العادل سيكون 500 دينار، وقال إنه لا يريد أن يأخذ صدقة ويريد أن يقوم بعملية شراء قانونية وعادلة، وأنه سيدفع 500 دينار. على هذا، قال البائع المسلم إنه لا يريد أن يأخذ صدقة أيضًا ويرغب في القيام ببيع عادل، لذلك أراد فقط 200 دينار. وبالتالي، فإن جدالهم كان من أجل حماية حقوق الطرف الآخر، على الرغم من التكلفة الشخصية على أنفسهم.

تخيلوا لو كان جميع أفراد المجتمع قادرين على العيش والتمسك بهذه القيم.
كم سيكون مجتمعًا رائعًا!
مجتمع يضع فيه كل مواطن الأولوية للأمانة، ويكافح من أجل الصالح العام.
وبعبارة أخرى، مجتمعٌ إسلامي.
إذا أراد أحد أن يعرف ما الذي يمثله الإسلام فعليه أن ينظر إلى مثل هذه الأمثلة النبيلة، بدلاً من النظر لأولئك الذين يزرعون الانقسام والتعصب زوراً باسمه. بالتأكيد، نحن بحاجة اليوم إلى الوقت الذي نقوم فيه جميعنا، مسلمين أو غير مسلمين، بالتوقف والتأمل في عواقب أفعالنا.
بفخر كبير، نحن نتحدث عن كيفية تطور العالم إلى قرية عالمية مترابطة ونتعجب من سرعة الاتصال والسفر. ولكن، إلى جانب هذا التقدم، علينا أن ندرك أن مسؤولياتنا تجاه العالم قد ازدادت أيضا. وفيما يتعلق بأزمة الهجرة، حيثما يوجد أشخاص يتعرضون للقسوة والوحشية في بلدانهم الأصلية، فإن الأمر متروك للمجتمع الدولي لمساعدتهم. وينبغي أن تكون الأولوية لمحاولة التوفيق بين شعوب تلك الدول وإنهاء الحروب وتحقيق السلام المستدام؛ ولكن، إذا لم يكن ذلك ممكنا، فمن واجبنا الأخلاقي أن نفتح قلوبنا لأولئك الذين يعانون حقا.

يجب على المجتمع ألا يرفض اللاجئين الحقيقيين الذين يعانون دون أي ذنب ارتكبوه. لا ينبغي للمجتمع أن يلقي جانبا الأبرياء الذين يريدون فقط فرصة العيش بسلام والذين يرغبون في أن يكونوا مواطنين صالحين وأن يتبعوا قوانين البلاد التي يعيشون فيها. بدلا من ذلك، يجب أن نكون هناك لتقديم يد العون لأولئك الذين تحطمت حياتهم، والذين تعرضوا للتعذيب والذين هم عاجزون تماما، وضعفاء ولا حول لهم ولا قوة. دعونا نثبت إنسانيتنا، دعونا نظهر تعاطفنا، دعونا نكون هناك لتحمل أعباء أولئك الذين هم في أمس الحاجة.

على الجانب الآخر، يتحمل المهاجرون أيضًا مسؤوليات كبيرة في بلدانهم الجديدة. كما قلت، عليهم السعي إلى المساهمة في مجتمعهم الجديد والسعي للاندماج. يجب ألا يعزلوا أنفسهم أو يقطعوا أنفسهم عن المجتمع المحلي، بل يجب أن يخدموا وطنهم الجديد ويعملوا من أجل تطويره وتقدمه المستمر. يجب أن نسعى معًا لإيجاد طرق يمكن للناس من خلفيات وثقافات مختلفة أن يعيشوا معاً في وئام.

وكما قلت، فإن العالم يشبه الآن قرية عالمية، ولذا فنحن لا نعيش في تلك العصور الغابرة، حيث ما يحدث في بلد ما لا يؤثر إلا على المجتمع المحلي أو على الدول المجاورة على الأكثر. بل، نحن نعيش الآن في وقت فيه للاضطراب أو الصراع في بلد ما عواقب وتبعات على بقية العالم. وهكذا، وبدلاً من الخوف من بعضنا بعضًا، ينبغي أن نسعى لحل المشاكل من خلال الحوار المتبادل وبروح التسامح والتعاطف.
يجب ألا يكون هدفنا وغايتنا أقل من إرساء السلام في كل قرية أو بلدة أو مدينة في كل بلد في العالم.

لطالما سعت الجماعة الإسلامية الأحمدية إلى تحقيق هذا الهدف، ولهذا الغرض، نشرنا ما نعتبره المكون الرئيس للسلام، والذي هو الاعتقاد الراسخ بأننا جميعًا خلق الله سبحانه وتعالى وأنه قد خلق البشر على هذا النحو حتى يعرفوه ويؤدوا حقوق بعضهم بعضا.

ونحن على يقين بأنه إذا توصلت البشرية إلى هذا الإدراك، فإن السلام الحقيقي والدائم يمكن أن يسود.
للأسف، نحن نشهد العكس تماما. فبدلاً من الانضمام معا والسعي إلى السلام من خلال وجود الله سبحانه وتعالى، تتورط البشرية في السعي من أجل السلام من خلال الوسائل المادية وحدها.

يوماً بعد يوم، تبتعد البشرية عن الدين والروحانية، والنتائج مرعبة. إنني على قناعة راسخة بأن الإيمان بالله سبحانه وتعالى هو السبيل الوحيد للخلاص، والطريقة الوحيدة لتحقيق سلام حقيقي على المستويين الوطني والدولي، وهكذا، فإن أمنيتي العارمة ودعواتي أن يعترف العالم بخالقه، ويتبع تعاليمه تعالى الحقيقية.

فبدلاً من السعي إلى تحقيق الأهداف الشخصية أو السياسية، أدعو الله أن يفي قادة اليوم بحقوق جميع الأشخاص بغض النظر عن طائفتهم أو عقيدتهم أو لونهم.

من كل قلبي، أدعو الله أن تتم إزالة الهوة الموجودة بين البشر والله سبحانه وتعالى وأن نرى بأعيننا السلام الحقيقي يسود جميع أنحاء العالم.
أشكركم جزيل الشكر .. شكرا جزيلا

خطبة الجمعة

خطبة الجمعة التي ألقاها سيدنا الخليفة الخامس - نصره الله تعالى - في 07/12/2018

خطبة الجمعة التي ألقاها سيدنا الخليفة الخامس - نصره الله تعالى - في 07/12/2018

مشاهدة الخطبة

الأخبار
إمام الجماعة الإسلامية الأحمدية العالمية يلقي خطبة الجمعة من مسجد بيت الرحمن في ميريلاند في الولايات المتحدة الأمريكية
إمام الجماعة الإسلامية الأحمدية يفتتح مستشفى ناصر في غواتيمالا
حفل استقبال بمناسبة افتتاح مسجد بيت الصمد في بالتيمور
إمام الجماعة الإسلامية الأحمدية العالمية يلقي خطبة الجمعة من هيوستن في تكساس لأول مرة
يوم تاريخي في تاريخ الجماعة الإسلامية الأحمدية حضرة ميرزا مسرور أحمد يزور أمريكا الوسطى للمرة الأولى
حفل استقبال بمناسبة افتتاح مسجد بيت العافية في فيلادلفيا
إمام الجماعة الإسلامية الأحمدية العالمية يفتتح أول مسجد في فيلادلفيا
إمام الجماعة الإسلامية الأحمدية العالمية يصل فيلادلفيا
إمام الجماعة الإسلامية الأحمدية العالمية يصل الولايات المتحدة الأمريكية
الاشتراك في القائمة البريدية

انضموا للقائمة البريدية واطلعوا على كل ما هو جديد في الموقع.