خطبة عيد الأضحى التي ألقاها حضرة أمير المؤمنين يوم 17\11\2010 في مسجد بيت الفتوح بلندن

التي ألقاها أمير المؤمنين سيدنا مرزا مسرور أحمد أيده الله تعالى بنصره العزيز
الخليفة الخامس للمسيح الموعود و الإمام المهدي عليه السلام
يوم 17/11/2010
في مسجد بيت الفتوح بلندن

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد فأعوذ بالله من الشيطان الرجيم. }بسْمِ الله الرَّحْمَن الرَّحيم * الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمينَ * الرَّحْمَن الرَّحيم * مَالك يَوْم الدِّين * إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعينُ * اهْدنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقيمَ * صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهمْ وَلا الضَّالِّينَ{. (آمين)

}فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآَخِرِينَ{(الصافات 103-109)

نحتفل اليوم بعيد الأضحى أي عيد الأضاحي والتضحيات، حيث نحتفل إحياءً لذكرى التضحية التي قدمها اثنان من المقربين إلى الله قبل أربعة آلاف سنة وسجلا معايير جديدة للتضحية. لقد نهى الله تعالى عن قطْع رقبة في سبيل الله بإعلانه }قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا{ واعتبر تضحيتهما بمنـزلة التضحية بقطع رقبة. مما يعني أن الله تعالى يريد أن يقيم أمثلة للذبح العظيم بدلا من قطع رقبة واحدة، الذبح العظيم الذي كان مستوى تضحيته أرفع بكثير بالمقارنة مع قطع رقبة، حيث كان الهدف منها ولادة ذلك النبي العظيم الذي سيكون بنفسه مستعدا وجاهزا كل حين وآن لفداء روحه في سبيل الله، كما أنه سينفخ في أتباعه أيضا روح التضحية التي تدفعهم إلى تسجيل معايير جديدة للتضحية. وهكذا فقد شاهدَت السماء ظهورًا مستمرًّا لأمثلة جديدة رائعة للتضحية. وكان صحابة النبي (صلى الله عليه وسلم) يستبقون في التضحيات إرضاءً لربهم الحبيب، وإذا اقتضى المحل منهم التضحيةَ بصبر وهمة ورحابة صدر فكان هؤلاء مستعدين لذلك كل لحظة متأسين بأسوة مولاهم (صلى الله عليه وسلم)، ولما آن أوان التضحية بالمال فكان هؤلاء جاهزين للتسابق في ذلك أيضا بفضل التربية التي تلقّوْها من النبي (صلى الله عليه وسلم). وحين جاء موعدُ التضحية بالأرواح ظهرت نماذج رائعة تصيب المرء بالذهول. ونظرا إلى رغبتهم العارمة في الفداء بالروح قال الله تعالى في القرآن الكريم {وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ} (التوبة 92) وهذا الإنفاق لا ينحصر في بذل المال فقط بل عندما صدر الإعلان للخروج جهادا في سبيل الله كانت حالة الصحابة مأساوية جدا، إذ كان السفر طويلا ولم تكن الرَكوبات تتيسر لهؤلاء الفقراء للوصول إلى مكان الجهاد، وكان فقرهم مدقعا لدرجة لم يكونوا يملكون حتى الأحذية، فالثابت من بعض الروايات أنهم طلبوا الأحذية فقط ليَنطلقوا مشاةً، فلم يطلبوا الأحصنة والجِمال وإنما طلبوا أحذية ليمشوا بسهولة، لكن الأوضاع الاقتصادية في ذلك الزمن البدائي لم تكن لتسمح بشراء الأحذية لهؤلاء الصحابة، الذين كانوا متلهفين للتضحية بنفوسهم. يقول الله (سبحانه وتعالى) كان أولئك الراغبين في التضحية بأرواحهم مؤمنين. فحين تلقّوا هذا الرفض وقيل لهم: إن بيت المال لا يقدر على أن يؤمّن لكم حتى الأحذية ناهيك عن الرَكوبة، اغرورقت عيونهم بدافع الحسرة أنهم لو قدروا على ذلك لأثبتوا أنهم لا يخافون أيّ نوع من التضحية، فإن الروح والمال لله وهم متلهفون للتضحية كل حين، ثم حين وفَّقهم الله وتحسنتْ أحوالهم أثبتوا أنهم لم يكونوا كاذبين ومعتذرين، فالرغبة في تقديم التضحيات وعملُهم مكَّنهم من الفوز بالشهادة الإلهية {رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ} (التوبة 100).


فحين فاز سيدنا إبراهيم وسيدنا إسماعيل عليهما السلام برضوان الله في جملة {قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا} فقد سجل النبي العظيم من سلالتهما أسوة عظيمة للذبح العظيم، ورفع بتسجيل هذه الأسوة مستوياتِ تضحيات أتباعه أيضا، ومكَّنهم من إحراز شرف {رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ} من الله، فهذه هي مزارع العشق والوفاء التي ظلت تخضرّ وتزدهر بسبب تلك التضحيات. ثم وهبهم الله مقابل هذه التضحيات فيما بعد النِعَم الدنيوية أيضا، إذ قد منَّ عليهم بالبلاد والحكومات أيضا، واليوم إذا نظرنا إلى الحكومات الإسلامية فلا شك أننا نجد بعضها تملك الثروة النفطية غير أننا لا نلاحظهم يتمتعون بالرضا الإلهي الذي يدل على قربهم من الله (سبحانه وتعالى)، ثم إنهم رغم كونهم أثرياء يخضعون لسيطرة الحكومات غيرِ الإسلامية، بل نجدهم رهن إشارتها، فالمسلمون الذين كانوا قد جَعلوا أهلَ الدنيا يعبدون الله متمتعين بثمار تضحياتهم، والذين رفعوا راية النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) حتى في أوروبا، حين نسوا معايير التضحية خسروا بعض هذه البلاد، وحين مالت قلوبُهم نحو حب الدنيا وأطماعِها بدلا من انشغالهم في الدعوة إلى الإسلام، ضعُفت الحكوماتُ وأضاعوا شرفَهم أيضا، وأخيرا خسروا كل شيء، فاليوم لا تتمتع البلاد الإسلامية بتلك العزة والمنعة والوقار المعهود. وردَّةَ فعلٍ على ذلك تنهض اليوم بعض القوى الإسلامية وتسعى لإقامة النظام الإسلامي حسب زعمها إلا أنها لم تتلَقَّ تربية إسلامية جيدة ومن ثم تسيء إلى الإسلام بسبب أفكارها المتطرفة بدلا من رفع راية الإسلام، وتقضي على أصحابها المسلمين الأبرياء وتغتالهم وتنهْب أموالهم. فالعلماء المسلمون والحكام المسلمون كلاهما بحاجة إلى تغيير مسار تفكيرهم. فلقد صدق المفتي العام في السعودية في تصريحه بمناسبة خطبة الحج حيث قال: إن اختفاء العدل يؤدي إلى الفساد، فإذا لم يراعِ الحكامُ المسلمون حقوق الشعب فسيظهر هذا الفساد. ولقد أصاب في قوله: إن دماء المسلمين تُسفك الآن، ولا إرهاب في الإسلام، كما أصاب في تصريحه هذا كبد الحقيقة حيث قال: تريد الأمم الأخرى أن يتحارب المسلمون فيما بينهم، كما أصاب في قوله: إن المسلمين بأمسّ الحاجة إلى الوحدة والوئام، غير أنه هو شخصيا وبقية علماء المسلمين وقادتُهم غير مستعدّين ليطأطئوا رؤوسهم أمام مَن أرسله الله (سبحانه وتعالى) في هذا الزمن لإقامة المغزى الحقيقي للإسلام، ليستعيدوا شرفهم الضائع، ويظهروا في مظهر الأمة الواحدة باجتماعهم على يد المسيح والمهدي، ويقيموا أرفع مستويات التضحيات بطاعتهم للمحب المخلص للنبي (صلى الله عليه وسلم)، وليرفعوا بالتمسك بالمسيح المحمدي مستوياتهم الروحانية التي تساعدهم على نيل رضوان الله (سبحانه وتعالى). فإذا كنتم تحبون أن تحافظوا على مواصلة التضحيات التي بدأت من سيدنا إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وانتهت إلى الذِّبح العظيم الذي سجَّل معايير كل أنواع التضحيات، فلا بد من الانضمام إلى جماعة المحب المخلص للنبي (صلى الله عليه وسلم) والمسيحِ والمهدي تصديقا لنبوءة ذلك النبي العظيم (صلى الله عليه وسلم). فإذا توحَّد المسلمون لشدّ عضد إمام الزمان بدلا من معاداته، فسيرى العالم أن المسلمين بدأوا يستعيدون الصيت الضائع، بإذن الله.


لا يمكن اليوم لوعظِ مفتٍ أو عالم أن يوحِّد المسلمين، ولا يمكن لثروة النفط أن تجمعهم على يد واحدة، ولا يمكن إحياء ذكرى مستويات تضحيات القرون الأولى بإقامة نظام متطرِّف، غير أنهم قد يقومون بالوعظ والنصيحة ويؤكِّدون على ضرورة العمل بها بضعة أيام فقط. يمكن للملوك والحكومات أن يحصلوا على مبتغاهم بناء على الثروة، كما يمكن للمتطرفين أن يستغلوا باسم الإسلام أولاد الأُسَر الفقيرة والمعدمة ويستخدموهم بغسل أدمغتهم في العمليات الانتحارية، ولكن حين يُخرَج هؤلاء الأولاد الذين تُغسَل أدمغتهم من تلك الظروف يفكرون دائما في إنقاذ حياتهم بأية طريقة ممكنة، وهذا يعني أن ما يقومون به ليس ما تميل إليه قلوبهم. هناك كثير من المراهقين الذين أدلوا بمثل هذه البيانات حين بطشت بهم الشرطة، وحين أُعطَوْا حماية وأمانا وُلُّوا دُبُرَهم لهذه التضحية المزعومة. إذن، حين يعود هؤلاء الأطفال إلى صوابهم يتغيّر اتجاه تفكيرهم. فلو فحصتم الأمر لرأيتم أن معظم منفِّذي العمليات الانتحارية هم الأطفال الذين ليس لديهم وجهة نظر شخصية. فلن تروا شخصا ذا أفكار ناضجة متورطا في عمليات انتحارية بشكل عام. إن التضحية الحقيقية وبالقوى العقلية السليمة كانت لمعاذ ومعوذ اللذَين وصلا إلى قلب جيش العدو وأوصلا أبا جهل إلى جهنم. ولكن هؤلاء الذين كانوا يقدّمون التضحيات بأرواحهم دفاعا عند دينهم كانوا يدخلون ميدان المعركة للرد على هجمات العدو، وإلا فإن فترة الصبر والمثابرة وتحمُّل المعاناة لم تكن قصيرة. ولكن ليس هناك حروب دينية دائرة اليوم حتى يشن هؤلاء القوم هجمات للدفاع عن الإسلام، وزد على ذلك أنهم يشنُّونها على المسلمين من أهل بلادهم! ويدوسون قانون الدولة تحت أقدامهم. إذن، فإن تضحياتهم المزعومة ليست مقبولة عند الله.


لقد صدق مفتي السعودية حين قال بأن هناك حاجة ماسة لأن نغيّر حالتنا. ولكن ليته قال أيضا بأن علينا أن نبحث عن مبعوث من الله بُغية إحداث التغيّر في حالتنا. وليته أعلن أيضا بالنظر إلى آيات سماوية وأرضية أن الآيات ظاهرة للعيان ولكن عندنا بعض التحفظات على المدّعي، فتعالَوا ندعو - الحجيج بوجه خاص والأمة الأسلامية بأسرها بوجه عام - ألا تحرِمنا يا ربنا من قبول الحق إذا كان المدّعي صادقا، فاهدِنا أن نقبل الرسالة التي وجّهْتَها إلينا بواسطة سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وننال رضاك. فإذا دَعُوا بصدق النيَّة وحسن الطويَّة فلسوف يرشدهم الله تعالى حتما، وسيدركون الأساليب الحقيقية للجهاد، وسيطلعون على معايير التضحية الحقيقية أيضا، وسيعرفون أيضا الشأن الأحمدي للنبي (صلى الله عليه وسلم)، لأنه من المقدر عند الله أن يُحدث الشأنُ الأحمدي للنبي (صلى الله عليه وسلم) انقلابا في هذا العصر، وسيأتي بالعالم كله على عتباته (صلى الله عليه وسلم)، ويجمع الدنيا كلها تحت رايته بالرفق والحب والصبر والدعاء. فهذا قدر الله المبرم أن ينجز خدام إمام هذا العصر والمسيح المحمدي هذه المهمة. إن تاريخ الجماعة يُطلعنا على معايير الصبر والدعاء والتضحية. فلا ينال المرء معايير التضحية بتفجير نفسه في العمليات الانتحارية، ولا ينالها باعتبارِ العملياتِ الانتحاريةِ عملياتٍ فدائيةً خداعًا للناس، وإنما يصل المرء إلى مستوى أعلى من التضحية بالصبر والرضا برضا الله تعالى والطاعة، كما تُنال بالانصياع للرسالة التي يقدّمها المبعوث من الله تعالى لأتباعه. فلما نصح النبي (صلى الله عليه وسلم) أمته بعدم الخوض في الحرب بقوله: "يضع الحرب" فمن مقتضى الإيمان أن نقوم بطاعته طاعة كاملة. فاليوم لا يوجد إلا الأحمديون الذين يقدّمون التضحيات بأرواحهم وأموالهم وأوقاتهم وعِزّهم منذ 120 عاما. وإن تاريخ الجماعة الإسلامية الأحمدية لن ينسى أبدا التضحية التي قدّمها في حياة المسيح الموعود (عليه السلام) الشهيدُ صاحبزادة عبد اللطيف الذي قدم روحَه بالصبر والمثابرة والإيمان البالغ ذروته في ظل الحجارة التي أمطرها عليه الظالمون، مع أنه قد عُرضت عليه أنواع الأطماع وفرصة للتفكر والتدبر أيضا في الموضوع. فقال المسيح الموعود (عليه السلام) عن هذه التضحية إن الأمير الشهيد المولوي عبد اللطيف أبدى نموذجا لليقين الكامل. لا شك أنه ما مِن أمرٍ يفوق التضحية بالنفس، وإن تقديمها بهذه الاستقامة يوحي وكأنه قد رآني نازلا من السماء. ثم يقول ما معناه: إنه قدّم باستشهاده نموذجا أعلى لجماعتي إذ كانت بحاجة إلى نموذج عظيم.

فالتضحية التي وصفها إمام العصر لا يمكن أن تمحَى من تاريخ الجماعة أبدا. غير أن الذين انضموا إلى جماعة المسيح الموعود (عليه السلام) فيما بعد يحاولون أن يحافظوا على معيار هذه التضيحة بتقديمهم أرواحهم ونفوسهم ولا يزالون يقدمونها. ففي العام الحالي أيْ 2010م قدّم 98 شخصا من أتباع المسيح الموعود (عليه السلام) التضحية بأرواحهم مؤمنين بصدق الإمام المهدي (عليه السلام) من الأعماق. وبتقديمهم هذه التضحية أعلنوا للعالم أنها ترتوي بروحٍ نفَخَها النبيُّ (صلى الله عليه وسلم) في أصحابه. وأنّى لرياح المعارضة أن تهزّ التضحيات التي كانت جذورها عميقة إلى هذا الحد بل تصل عميقا إلى تضحيات سيدنا إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام؟ إن الغرسة التي غرسها المسيح المحمدي قد صارت اليوم دوحة عظيمة بفضل الله تعالى، وقد تفرَّعت أغصانها إلى 198 بلدا في العالم وإلى كل قاراته، فكيف يمكن أن تهزَّ الرياحُ المعارضةُ هذه الدوحة؟ لقد شاهدْنا في تاريخ الجماعة الإسلامية الأحمدية أن كل تضحية تؤتي ثمارها بل تثمر أكثر من سابقتها. إن أكبر عدد للشهادات في تاريخ الجماعة قبل هذه السنة كان في عام 1974م حين وصل عددها إلى 30 شهادة تقريبا. ثم توسّعت الجماعة الإسلامية الأحمدية بعد عام 1974م وانتشرت بما لم يسبق له نظير من قبل. لقد تحسنت الظروف المالية لأفراد الجماعة الذين تعرضوا لخسائر مالية، لدرجة أن مقدِّمي التضحيات أيضا استغربوا كثيرا على كيفية إظهار الله تعالى آيات قدرته. ثم سنّت الحكومة قانونا غاشما في عام 1984م، فجعل هذا القانونُ قرارَ البرلمان الباكستاني أكثرَ قسوة، وقد ضيَّق الخناقَ على الأحمديين هناك، وزُجُّوا في السجون. وقد اضطر الخليفة للهجرة من باكستان بسبب هذا القانون الغاشم إلى درجة حتى صار الأحمديون غير قادرين على أن يسلِّم بعضهم على بعض بل ما كانوا يستطيعون أن يسمُّوا أولادهم بأسماء إسلامية. ففتح الله تعالى لتقدم الجماعة وتوسُّعها طرقا لم تكن في الحسبان من قبل. والحق أن الجماعة صارت معروفة جدًّا في العالم بسبب هذا القانون الغاشم. ولا يزال هذا القانون يشكل صعوبات لأفراد الجماعة في باكستان؛ فكلما ثارت ثائرة المسؤولين في الحكومة صبُّوا المظالم على الأحمديين نتيجة هذا القانون الجائر.


على أية حال، لقد ضرب الأحمديون في باكستان ولا يزالون يضربون أمثلة عليا للتضحية باستمرار بسبب هذا القانون. ومن ناحية أخرى سنح هذا القانون لكل من يريد من المسؤولين الحكوميين أو المشايخ المعارضين أن يخلقوا للجماعة مشاكل متى شاؤوا. وإن التضحية بالأرواح التي قدمتها الجماعة في هذه الأثناء ليست بالعادية مطلقا. غير أن الله تعالى يُكرم عباده ويُنعم عليهم بطرق وأساليب غريبة لا تعرف حدودًا. يقول العدو للأحمديين أنِ ارتدُّوا عن الجماعة الإسلامية الأحمدية وتراجَعوا عنها وإلا سنفعل بكم كذا وكذا، فقدَّم أبناء الجماعة تضحيات بأرواحهم أيضا بسبب هذه المظالم ونالوا مرتبة الشهادة. ولكن لم يضعف أحد منهم ولا أحد من أقاربهم ولم يخضعوا لمطلب الأعداء، ولم يتسوَّلوهم الحياةَ، ولم يتسولوهم ليجتنبوا الخسائر المالية. بل أبدوا نماذج الصبر والاستقامة التي تجدر بأن تُكتَب بأحرف الذهب.


ولقد استُشهد في الفترة الأخيرة الشيخ محمود أحمد في "مردان" وأصيب ابنه عارف محمود بجروح، وذكرت في خطبة الجمعة أيضا أنه لما تكلم معه ناظر الأمور العامة هاتفيا قال له هذا الشاب: إنني متشجع رغم إصابتي بالجروح، ولن تزعزع هذه الأمور إيماننا. وأنّى للتهديد بالموت أن يخيف قوما فيه مثل هؤلاء الشباب المضحين الذين لا يخشون مواجهة الموت قط. ولقد تولد فيهم هذا الإيمان من يقينهم بأن مرزا غلام أحمد القادياني (عليه السلام) هو المسيح الموعود والإمام المهدي، فقد صار الآن نيل رضى الله تعالى وأفضاله منوطًا بارتباطنا مع هذا المهدي والمسيح. إن قول الله تعالى الآتي يقوي قلوبهم ويلهمها السلوان: {نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} (فصلت 32)، فمن كان الله تعالى وليا له في الدنيا والآخرة فلا يبالي بالدنيا وما فيها، ولا يمكن لأحد أن يمنعه من تقديم التضحيات في هذا السبيل. قال هذا الشاب: إن رصاصة أو رصاصتين لا شيء يُذكر، فلو رُششت بالرصاص في هذه السبيل ما باليت أبدًا. مثل هذه العزيمة لا يمكن أن تتولد إلا فيمن يكون مستعدًّا للتضحية بكل غال ورخيص من أجل رضى الله تعالى. فلما عقدنا عهد الوفاء مع إمام الزمان فإنما عقدناه لنيل رضى الله تعالى، ولنرتقي علاقةً مع الله تعالى، وعقدناه مدركين بأن زروع الحب والوفاء والإخلاص لا تخْضَرّ ولا تثمر بدون أن تُسقى بالدماء، وعقدناه موقنين بأنه لا بد أن يتحقق وعد الغلبة التي أعطاها الله تعالى للمسيح الموعود (عليه السلام)، وذلك لأننا رأينا بأم أعيننا تحقق كثير من هذه الوعود الإلهية. لم يكن تحقق وعود الله تعالى مع المسيح الموعود (عليه السلام) مقصورا على عصر من العصور، كما لم يكن مقدرًا أن تتحقق بعض الوعود دون الأخرى، بل النبوءات التي تنبأ بها المسيح الموعود بعلم من الله تعالى لا بد أن تتحقق، والله لا يخلف الميعاد، ولكن – حتى ننال نحن أيضا حظًّا منها- لا بد للعمل بالطرق التي أرشدنا الله تعالى إليها، ولا بد من الوصول إلى أعلى مراتب الطاعة والتضحية. وكلما سعينا للوصول إلى هذه المراتب حالفتنا نصرة الله وتأييده. لو تعمقنا في الموضوع لأدركنا أن وعد إحياء الإسلام مرة ثانية كان مع الرسول (صلى الله عليه وسلم)، مما يعني أن وعد ازدهار الإسلام عن طريق الأحمدية مذكور في: {وآخرين منهم لما يلحقوا بهم}. وإذا تعمقنا في الموضوع أكثر رأينا أننا قد أعطينا ضمان تحقق وعود الله تعالى كلها في قوله تعالى: {قد صدَّقْتَ الرؤيا}. لم يكن الأب الوحيد هو من حقق هذه الرؤيا بل حققه ابنه أيضا الذي قال: {ستجدني إن شاء الله من الصابرين}، فإن الوعد بالصبر قد سلط الضوء على عزيمته القوية للوصول إلى مراتب سامية في مجال التضحية. لو قُطعت رقبته لما أظهر صبرًا يُذكر، بل كان مقدرًا أن تظهر منه جواهر الصبر عند تخطيه درجات عالية في مجال التضحية أي عند تقديمه نفسه تضحيةً في سبيل الله. ولقد حقق إسماعيل هذه المستويات وبلغ هذه الدرجات من خلال عيشه الكامل بدءا من طفولته وحتى آخر حياته التي عاشها في واد غير ذي زرع. ثم لما رأى الله تعالى استعدادهما للتضحية أدخلهما في المحسنين لقوله تعالى: {إنا كذلك نجزي المحسنين}. ولكن كان مقدّرا أن يقترن المحسنون بعصر الذبح العظيم مرة ثانية حين خلق الله تعالى ألوفا من المحسنين والصالحين بالقوة القدسية لمحمد (صلى الله عليه وسلم) الذين حققوا معايير الصبر والوفاء. ثم ألحق الله تعالى عصر الآخرين هذا بعصر الأولين وبالتالي بدأت تتحقق معايير الصبر والوفاء مرة أخرى. لقد ضرب الله تعالى إبراهيم مثلا في الوفاء في قوله تعالى: {وإبراهيم الذي وفى} أي إن إبراهيم قد أوفى عهده بالوفاء الكامل. يقول سيدنا المسيح الموعود (عليه السلام) بصدد هذه الآية أنه قد نودي بهذا النداء لما استعد للتضحية بابنه. فلما اقترن وفاء الأب مع صبر الابن شرَّع الله تعالى عبادة الحج للمسلمين تذكارًا لهما، كما بعث من نسلهما ذلك النبي العظيم الذي حقق مستوى عظيمًا في الفناء في الله تعالى، وأمره الله تعالى في القرآن الكريم أن يقول: {إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (الأنعام 163). ثم أمرنا أن نتأسى بأسوة الرسول (صلى الله عليه وسلم) لأنها الأسوة الوحيدة التي تحدد لكم معايير العبادة بل تعيّن لكم معايير كل خُلُق وكل عمل حسن. فإن مستويات الوفاء والصبر والتضحية التي بلغها إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام قد اكتملت واختتمت على سيدنا محمد المصطفى (صلى الله عليه وسلم). فلقد قدم لنا الله تعالى أمثلة هذه الأسوة من البداية وحتى درجاتها العليا، ثم أمرَنا بالاقتداء بالأسوة العليا منها، ولقد خُلق - نتيجة لاتباع هذه الأسوة العليا - ألوف من إسماعيل في صحابة النبي (صلى الله عليه وسلم) الذين قدموا أعناقهم للذبح من أجل الذود عن بيضة الإسلام والدفاع عما جاء به محمد (صلى الله عليه وسلم)، وقدموا نماذج سامية في الصبر والوفاء، وبالتالي شرفهم الله تعالى بلقب: رضي الله عنهم. فمن واجب أتباع المسيح المحمدي أيضا اليوم أن يصبحوا نموذجًا حسنًا في الصبر والوفاء. وإن التضحية التي قدمها قرابة مئة من الشهداء من أتباع المسيح المحمدي ليرووا بدمائهم زروع العشق والوفاء والإخلاص تشكل برهانا على عزمنا الصميم بأننا لن نتأخر أبدًا في هذا الميدان. فلقد نال هؤلاء رضى الله تعالى وِفْق وعْد الله تعالى.


ولقد تلقيت رسائل كثيرة يبدي فيها أصحابها استعدادهم لتقديم التضحيات ويقولون بأنهم من الذين قيل عنهم: {ومنهم من ينتظر}، فينتظرون فرصةً ليحققوا ما عاهدوا عليه. فإنه لَعيد لإحياء ذكرى هؤلاء المضحين، وعيدٌ لتجديد العهد المذكور في قوله تعالى: {ومنهم من ينتظر}. الله أعلم بأي طريقة يريد أن يأخذ منهم تضحيتهم، إلا أننا إذا بقينا على صلة متينة مع الله تعالى بكل صبر وصلاة وسعينا لتقوية إيماننا من خلال تدبرنا في تضحيات هؤلاء المخلصين فلا بد أن ننال نحن أيضا فضل الله تعالى ونِعَمه. ولقد أكد لنا الله تعالى بأنه يجزي المحسنين جزاء أوفى. وقد مَنَّ الله تعالى على هؤلاء المضحين إذ قبِل تضحياتهم فأوصل دعوة الأحمدية بدءا من فلوات أفريقيا وصحاراها إلى أوروبا وأمريكا، وازداد عدد البيعات في كل مكان. كنت أقرأ تقريرًا رُفعَ إلي من إحدى الدول الأفريقية التي بايع فيها في السنة الماضية ألف شخص، ولكن بعد أحداث لاهور بايع فيها خمسة آلاف شخص خلال الأشهر القليلة المنصرمة. كذلك كتب أحد المبلغين في تقريره: زرت أحد الأماكن التي أصابها القحط وكاد الجفاف يقضى على الزروع والمحاصيل، وصلت إلى هنا عندما كان الناس يخرجون لأداء صلاة الاستسقاء. فسألت إمامهم عن طريقة صلاة الاستسقاء، ثم أخبرته بالطريقة الصحيحة لأدائها، فقال لي: صلّ بنا إمامًا، ففعلت. وكان قد مضت بضعة أيام على أحداث لاهور آنذاك حيث ضحّى 85 أو 86 أحمديا بحياته، فطرأت عليَّ حالة غريبة دعوت فيها أن يرينا الله تعالى اليوم آيةً على قبوله تلك التضحيات فيعطينا ههنا جماعة بفضله، فأرانا الله تعالى هذا المشهد الرائع بحيث تلبدت السماء بالغيوم بعد أن كانت الشمس ساطعة فهطلت الأمطار واشتهر في المنطقة كلها أنه بفضل دعاء الأحمديين عادت الخضرة إلى زروعنا، وبالتالي بايع هناك أزيد من ألف شخص. هكذا يرينا الله تعالى مثل هذه المشاهد الرائعة. وتَصِلني رسائل من الدول العربية أيضا أنهم قد انتبهوا إلى الأحمدية انتباهًا ملحوظًا، كما بايع زعيمان مسلمان بارزان في غانا وكانا في السابق من أشد المعارضين للجماعة. فهبوب مثل هذه الرياح وإحداث التغيير في القلوب يدل بشكل واضح على أن الله تعالى قد قبل هذه التضحيات ثم بدأت تظهر أمارات القبول بصورة ظاهرية أيضا.

ليست الأحمدية دينًا محليًّا، بل هي الإسلام الحقيقي وصورته الناصعة، والإسلام دين عالمي وقد وعد الله تعالى بغلبته. فهل يمكن أن تَحُول معارضةُ باكستان أو بعض الدول الإسلامية الأخرى دون انتشار هذه الدعوة؟ كلا بل هو خطأ المعارضين، بل هناك صحوة ملحوظة نحو الأحمدية في البلاد الإسلامية أيضا، لأن القضية هنا لا تتعلق بشخص مرزا غلام أحمد القادياني (عليه السلام) وإنما تتعلق بوعد الله تعالى مع النبي (صلى الله عليه وسلم) الذي لا يمكن أن تحول دون تحققه أية قوة من قوى العالم كلها. ليست على الأرض اليوم سوى جماعة واحدة وهي جماعة المسيح المحمدي التي صارت جزءا من الوعد الإلهي والتقدير الرباني فصارت توصل رسالة الإسلام إلى أقصى أطراف الأرضين. وكانت هناك بعض الواقعات بهذا الخصوص وأشرت إليها فيما سبق لذلك لا أتطرق إلى ذكرها.


على أية حال، إنها الجماعة الإسلامية الأحمدية التي توصل هذه الرسالة التي هي رسالة محمد (صلى الله عليه وسلم)، وتنير دروبها تضحيات الأحمديين وتفتح لها سبلها لتحقيق ذلك. فإن هذا الفهم العميق للذبح العظيم الذي أعطانا إياه سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) نراه باديا اليوم في أتباع المسيح المحمدي في كل مكان سواء كانوا من باكستان أم من الهند، من بنغلاديش أم إندونيسيا، من بلاد أفريقيا أم من العرب، فلقد صار الجميع يركزون على رفع مستويات تضحياتهم حتى يروا بأم أعينهم لواء الإسلام مرفرفًا في العالم كله في أسرع ما يمكن. فليكن هذا العيد مذكّرًا لنا تضحيات أعزائنا دومًا، ودافعًا لنا إلى ألا نرتاح مالم نرفع راية محمد (صلى الله عليه وسلم) في كل بقعة من بقاع الأرض ونرى بأنفسنا جموعًا من المتحابين والصابرين والمخلصين والعابدين لله تعالى. وعند حدوث ذلك سيطلع لنا عيد حقيقي دالٌّ على قبول تضحياتنا، وفقنا الله تعالى لذلك.


قال حضرته بعد الخطبة الثانية:
سوف ندعو الآن، تذكروا أُسَر الشهداء في دعواتكم، والمبلغين، وكلَّ من يضحي من أجل الجماعة بطريق أو بآخر. جعل الله تعالى هذا العيد مباركًا لنا من جميع النواحي، وتقبل مساعينا المتواضعة وأرانا مشاهد الفتح والنصر قريبًا.
وبهذه المناسبة أوجه لكم رسالة التبريك وأقول لكم – أنتم الجالسين أمامي - وللأحمديين في العالم كله: كل عام وأنتم بخير، وأدعو الله تعالى أن يجعل هذا العيد مباركًا للجميع من جميع النواحي. تعالوا نشترك في الدعاء.

خطبة الجمعة

خطبة الجمعة التي ألقاها سيدنا الخليفة الخامس - نصره الله تعالى - في 27/09/2019

خطبة الجمعة التي ألقاها سيدنا الخليفة الخامس - نصره الله تعالى - في 27/09/2019

مشاهدة الخطبة

الأخبار
افتتاح مسجد جديد في فيسبادن من قبل إمام الجماعة الإسلامية الأحمدية العالمية
إمام الجماعة الإسلامية الأحمدية يلقي خطابًا تاريخيًا في مقر الأمم المتحدة للثقافة والعلوم (اليونسكو)
إمام الجماعة الإسلامية الأحمدية العالمية يلقي الخطاب الرئيس في حفل افتتاح مسجد جديد للجماعة في ستراسبورغ
إمام الجماعة الإسلامية الأحمدية العالمية يفتتح مسجدًا جديدًا في ستراسبورغ في فرنسا
اختتام الجلسة السنوية للجماعة الإسلامية الأحمدية في فرنسا لعام 2019 بخطابٍ ملهم للإيمان
إمام الجماعة الإسلامية الأحمدية يقول إن إلقاء اللوم على الإسلام حول الصراعات العالمية سيزيد فقط الانقسام وسيرسخ عدم الاستقرار في العالم.
بدء الجلسة السنوية في فرنسا لعام 2019 في باريس
افتتاح مسجد جديد للجماعة الإسلامية الأحمدية في ألميره في هولندا
اختتام الجلسة السنوية للجماعة الإسلامية الأحمدية في هولندا بخطابٍ ملهمٍ للإيمان
الاشتراك في القائمة البريدية

انضموا للقائمة البريدية واطلعوا على كل ما هو جديد في الموقع.