خـطـبـة عـيد الـفـطر 11\09\2010

التي ألقاها أمير المؤمنين سيدنا مرزا مسرور أحمد أيده الله تعالى بنصره العزيز
الخليفة الخامس للمسيح الموعود و الإمام المهدي عليه السلام
يوم 11/09/2010
في مسجد بيت الفتوح بلندن

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد فأعوذ بالله من الشيطان الرجيم. {بسْمِ الله الرَّحْمَن الرَّحيم * الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمينَ * الرَّحْمَن الرَّحيم * مَالك يَوْم الدِّين * إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعينُ * اهْدنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقيمَ * صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهمْ وَلا الضَّالِّينَ}. (آمين) {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}

الآيات التي استهللت بها خطبتي مأخوذة من سورة الانشراح، ويحفظها معظم الناس عادة. نزلت هذه الآيات في مكة، ويعرف كل واحد منا كيف أن 13 عاما من حياة النبي (صلى الله عليه وسلم)قد قضاها في مكة وهو يتحمل المصاعب والمعاناة، وكيف كان (صلى الله عليه وسلم)ينصح الصحابة دائما بالصبر في وجه المصائب التي كانت تصَبُّ على هؤلاء المساكين، وكان يدعو لهم. هناك رواية عن ظلم من هذا القبيل كان يُصبّ على آل ياسر (رضي الله عنهم). فقد ورد في الرواية أن آل ياسر كانوا مرة معرَّضين للظلم والاضطهاد إذ مرّ بهم النبي (صلى الله عليه وسلم)فقال: صبرا يا آل ياسر فإن موعدكم الجنة. أي لا تدَعوا يا آل ياسر الصبرَ ينفلت من أيديكم فإن الله تعالى يعدُّ لكم أو قد أعدّ لكم الجنة مقابل تعذيبكم ومعاناتكم هذه. وفي أثناء التعذيب استُشهد الزوجان كِلاهما.


لاحِظوا الآن، لقد بلغت المظالم من ناحية مبلغا لا سبيل للنجاة منها إلا الموت، إذ لا يجد المظلومون للتخلص منها من سبيل، فينصحهم النبي (صلى الله عليه وسلم)بالصبر. ومن ناحية ثانية يُبشَّرون بأن فتحا عظيما مقدَّرا لهم بعد كل عسر، فقال تعالى: فإن مع العسر يسرا. أي صحيح أنكم تواجهون حاليا مصاعب ومعاناة وتقدّمون تضحيات بالأرواح وتمرون بظروف حالكة من الظلم والمعاناة، ولكن بعد كل ظلم ستبدأ سلسلة طويلة من الفتوحات.


ثم شاهدَت الدنيا أن هؤلاء الضعفاء والمظلومين سيطروا على جزيرة العرب بل خرجوا منها وأدخلوا الحكومات العظيمة في غلمان النبي (صلى الله عليه وسلم) إن المسلمين يعتزون اليوم بكونهم من خدام النبي (صلى الله عليه وسلم), وهذا مدعاة لاعتزاز كبير، إذ لا يوجد على سطح الأرض فخر أكبر من أن نُعَدّ من غلمان النبي نبي آخر الزمان وخاتَم النبيين. ولكن كما يتبين من الآية الكريمة أنه سيأتي عليهم زمن العسر أيضا، وقد أتى فعلا. ولقد أنبأ النبي (صلى الله عليه وسلم)أنه سيأتي على أمتي زمن حالك تفقد فيه الأمة شرفها ومجدها وهيبتها الذي حظيت به من قبل. واليوم نرى كيف تحققت هذه النبوءة بكل جلاء، إذ إن حكومات إسلامية موجودة في العصر الحاضر ولكنها فقدت تميّزها ومجدها، وأصبحنا اليوم محتاجين إلى الأغيار في كل شيء تقريبا. إن مواردنا كلها أصبحت في أيدي الآخرين. إذا أردنا التنقيب عن النفط أو الاستفادة من ثروة طبيعية أخرى لا ننجح في ذلك ما لم نتوجه إلى الآخرين. هذا بالنسبة إلى حالتنا الدنيوية، أما فيما يتعلق بالدين فقد أفسده المشايخ المزعومون وأحدثوا فيه محدثات كثيرة لدرجة لم يعد الإسلام ذلك الإسلام الذين كان في زمن النبي (صلى الله عليه وسلم). فهناك بُعد شاسع بل بُعد المشرقين بين الإسلام الذي جاء به النبي (صلى الله عليه وسلم)والإسلام الذي يقدمه المشايخ المزعومون المعاصرون. لا شك أن الجميع يُظهرون الإيمان من حيث العواطف ولكنهم بعيدون عن العمل به كل البُعد. فهم يسعون لتشويه سمعة الإسلام بشرح فكرة الجهاد بصورة خاطئة. والأدهى من ذلك والأمرّ أنهم محتاجون إلى غير المسلمين للقيام بالجهاد المزعوم نفسه.


لقد قال المسيح الموعود (عليه السلام) في شرح هذا الأمر بأنه لو كان الله تعالى قد أذِن بالجهاد أو بالحروب بأسلحة مادية لما جعل المسلمين محتاجين للأغيار بصددها. فلو رفع أحد الأسلحة الآن باسم الدين -علما أن غير المسلمين أيضا لا يقاتلون في هذه الأيام باسم الدين بوجه عام - لواجه هزيمة نكراء.
ثم لا يقتصر الأمر على ذلك فحسب، بل يُشوِّهون اسم الإسلام والجهاد إلى درجة كبيرة بحيث يسجِّلون أمثلة غير مسبوقة من الظلم والبربرية. إن الإسلام دين التسامح وقد أُذن فيه للقتال الدفاعي لسبب وحيد هو أنه إذا لم يوضَع حدّ ولم يُؤخذْ على أيدي الكفار لما سلمت من اعتدائهم كنيسة ولا صومعة ولا معبد ولا مسجد. ولكن هؤلاء المجاهدين يسجلون باسم الله وفي بيوته (سبحانه وتعالى) أمثلة غير معهودة من الظلم والوحشية، ويقتلون الناطقين بالشهادتين دون هوادة. أما النبي (صلى الله عليه وسلم)فقد أمر ألا تقتلوا شيخا فانيا حتى في حالة الحرب، ولا تقتلوا امرأة ولا صبيا ولا قسيسا ولا تتعرضوا للرهبان في معابدهم، ولا تتلفوا ثروة قومية مثل الأشجار وغيرها. أما المجاهدون المعاصرون فيصبُّون على الناطقين بالشهادتين من بني جلدتهم - باسم الله (عز وجل) ورسوله (صلى الله عليه وسلم)- من المظالم والوحشية والهمجية والتعسف ما تقشعر لهوله الأبدان. ولا شك أنهم بتصرفاتهم هذه يشترون سخط الله وغضبه لأنفسهم، وسيُبطَش بهم حتما، كما نراهم يُبطَشون. إن الجماعات الإرهابية تنال الشجب والاستنكار في كل مكان، إلا أن المشايخ المعارضين للجماعة الإسلامية الأحمدية لا يجيزون صبّ المظالم على أفراد الجماعة فحسب بل إنهم متورطون فيها بأنفسهم، وكذلك الحكومات في بعض البلاد، فإنها تهيئ ملاذا آمنًا للظالمين. هل هذا هو اليسر الذي أطلع الله تعالى عليه نبيَّه (صلى الله عليه وسلم), بأن المسلمين مظلومون اليوم ولكنهم حين يحرزون القوة سيقومون بالظلم نفسه على الآخرين؟ كلا، ثم كلا.


إن الفترة المكية كانت فترة العسر، كما قلت، ثم خلق الله تعالى ظروف اليسر، ثم عاد العسر مرة أخرى بعد فترة من الزمن الذي أنبأ الله تعالى بحلول اليسر بعده. وكان من المقدر أن تبدأ فترة اليسر هذه - من حيث التقدم الديني - بعد بعثة المسيح الموعود (عليه السلام) وقد بدتْ فعلا. أما الذين لم يؤمنوا بالمسيح الموعود فلا يزالون يتخطبون في الظلمات خبط عشواء. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يحاولون ليضيقوا الخناق على أتباعه (عليه السلام)، ويبحثون ليل نهار عن طرق لتضييق الخناق عليهم.


أي مأساة أكبر من أن هؤلاء المسلمين يمدِّدون فترة العسر لأنفسهم بظلمهم جماعة المسيح الموعود الذي بعثه الله تعالى لانتشالهم من هوة الظلمات وإعادة مجدهم الغابر. يزعم معارضو الجماعة أنهم يضيقون الخناق على أبنائها ولكن الله تعالى يفتح عليهم أبواب الانتصارات بعد كل عسر عَنَّ وعَرَى. تتقدم الجماعة بخطى حثيثة على سلّم التقدم والازدهار بعد كل معارضة وكل ظلم ووحشية يقوم بها الخصوم للقضاء عليها. ومن جانب آخر يُظهر الله تعالى غضبه وسخطه على المعارضين دائما بطريق أو بآخر. ولكنهم - مع الأسف الشديد - لا يفهمون ذلك، ولا يزالون يتحولون إلى الفراعنة على أيدي المتنكرين بعباءة الدين، وليس فيهم أحد جاهزا لاستخدام عقله.


يقول المسيح الموعود (عليه السلام): رحم الله المشايخ المعارضين لنا لأن ما يقومون به ليس في صالح الدين بل مضر له. لقد نسوا زمنا حين كانوا يشجبون القرن الثالث عشر من على المنابر ويقولون بأن الإسلام قد تضرر كثيرا في هذا القرن. وكانوا يقرؤون الآية: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} ويستدلون بها أن القرن الرابع عشر سيطلع مقابل هذا العسر. وحين طلع القرن الرابع عشر بعد انتظار طويل وظهر على رأسه شخص من الله بدعوى أنه المسيح الموعود وظهرت الآيات وشهدت له السماء والأرض فكان هؤلاء المشايخ أول المنكرين.
فهذا هو منهج المشايخ الذي لا يزال جاريا منذ بعثة المسيح الموعود (عليه السلام) إلى يومنا هذا. أما الآن فقد بدأوا يقولون لا حاجة لنا بمجيء المسيح الموعود بل يكفي وجودنا نحن القادة، ويقصدون بذلك المشايخ المزعومين. الحق أن القادة الحقيقيين هم الذين يعيِّنهم الله وليس الذين يفرضون أنفسهم على رقاب الآخرين. وإن العقل الدنيوي يجعلهم يُدلون ببيانات مبنية على الجهل والغباوة كهذه فيتبين منها بكل سهولة أنه لا يوجد فيهم نور الهدي الإلهي.


لقد اطلعتُ مؤخرا على خبر عن شخص يُعتَبَر عالما كبيرا ويملك شهادة دكتوراه، وهو وزير أيضا في باكستان، وعضو سابق في مجلس الرابطة الإسلامية، فقد قيل عنه في وسائل الإعلام بأنه أدلى ببيان جاء فيه أنه لو صلّى الرئيس اوباما ركعتين لصلاة العيد مع المسلمين في ’Ground Zero’ - علما أن قضية ’Ground Zero’ ساخنة بسبب الجدال الدائر حولها في هذه الأيام - لقَبِلَتْه الأمة المسلمة كلها خليفة للمسلمين وأميرا للمؤمنين. لا ندري في أي سياق أدلى بهذا التصريح؟ ولكن أيا كان سياقه فإن المرء يستغرب من عقله وطريقة تفكيره. هذه هي فراستهم! فراسة المؤمن! إن صح التعبير. لا شك أن المؤمنين مثلهم يستحقون خليفة من هذا النوع! ما أغربها من معايير وضعوها لمنصب أمير المؤمنين وخليفة المسلمين!
فبسبب عدم إيمانهم بالمسيح الموعود (عليه السلام) تنظر عينهم إلى كل شيء بنظرة مادية. فمن تصريحه يمكننا أن نعلم مدى الظلمة الحالكة المحيطة بهم، ومع ذلك يقولون بأننا لسنا بحاجة إلى مسيح أو مهدي، رحمهم الله.


يقول المسيح الموعود (عليه السلام) بأن الإسلام مرّ بأيام عصيبة جدا، أما الآن فقد ولّى فصل الخريف وحلّ به فصل الربيع، فإن مع العسر يسرا. ولكن المشايخ المتعصبين لا يريدون أن يخضرّ الإسلام. لقد ولّى الخريف من الإسلام بمجيء المسيح الموعود (عليه السلام)، إذ قد قدم مسيح الزمان (عليه السلام) تعليم الإسلام للدنيا بأبهى صورة، وإن موكب الجماعة الإسلامية الأحمدية لا يزال يتقدم مع كل العراقيل الموضوعة من قبل عامة المسلمين وغيرهم. ولا يزال أتباع الأديان المختلفة يجتمعون تحت راية النبي (صلى الله عليه وسلم). وكذلك سليمو الفطرة من عامة المسلمين أيضا ينضمون على يد إمام الزمان إلى تعليم الإسلام الذي عُمل به في القرون الأولى بغض النظر عن تقسيم الفِرق، فهو تعليم الإسلام الحقيقيُ. فالمسلمون الأحمديون يُبدون تلك النماذج العملية التي قدمها مِن قبلُ أمامنا الصحابة رضوان الله عليهم الذين رفعوا راية الإسلام عاليا بالتضحية بأرواحهم، وضربوا أمثلة سامية في العبادات وبذلوا أرواحهم أيضا بسخاء في سبيل نيل رضا الله تعالى، وتحملوا معاناة الأسر والحبس في سبيل الله ورسوله. واليوم يقدم الأحمديون هذه النماذج الحسنة عمليا، وهم جاهزون لتقديم كل نوع من التضحيات بل يقدمونها على صعيد الواقع لرفع راية النبي (صلى الله عليه وسلم), فتتراءى هذه النماذج في كل بلد في العالم حيثما ينفث معارضو الجماعة في صدور الناس سما باسم الإسلام ضد أبنائها. وهناك بعض الحكومات أيضا التي تدعم الظالمين لتحقيق مصالحها المحرَّفة. لكن هذه المصاعب تذكّرنا بتلك التضحيات التي قدمها المسلمون من القرون الأولى. لقد حلت فترة العُسر في زمن النبي (صلى الله عليه وسلم)أيضا، وكانت هناك بشارة باليسر أيضا، وقد شاهدت الدنيا تحققها. وإن فترة العسر هذه لم تنته بعد الهجرة إلى المدينة أيضا، أي لم تنته فترة الفتن والمعارضة المريرة على الهجرة، بل فُرضت الحروب على المسلمين، وقُتلوا خدعةً وغدرا. إن حادث بئر معونة معروفة لدى الجميع حين قتَلت إحدى القبائل سبعين صحابيا خدعةً. وهناك حادث آخر معروف بحادث الرجيع حيث قتل عشرةُ من الصحابة خُدعةً. وقد ورد في الروايات أن النبي (صلى الله عليه وسلم)تلقى خبر هذين الحادثين في يوم واحد مما أدّى إلى تألمه كثيرا جدا. وقد ورد في الروايات أنه (صلى الله عليه وسلم)ظل يدعو على هؤلاء الظالمين في القيام في صلاة الفجر إلى ثلاثين يوما ما معناه: اللهم ارحمنا، وكُفَّ أيدي أعداء الإسلام الذين يسفكون دماء المسلمين الأبرياء بلا رحمة. إذن فإن فترة العسر واليسر ظلتا تتناوبان، كانت دماء المسلمين تُسفَك دون هوادة من ناحية، ومن ناحية أخرى كان المنضمّون الجدد إلى الإسلام يقوّونه، وبعد كل عسر كان انتصار عظيم في نصيب المسلمين دائما. والآن سوف تتحقق هذه الوعود في زمن بعثة النبي (صلى الله عليه وسلم)الثانية في صورة خادمه المخلص ومحبه الصادق. ولقد أُعطِيت هذه الوعودُ في بعثته (صلى الله عليه وسلم)الثانية. لقد وعد الله تعالى بالانتصار والنجاح مرتين بعد كل عسرٍ، والسبب في ذلك عائد إلى أن الناس قد شاهدوا هذه المشاهد في فترة البعثة الأولى ولسوف تتراءى المشاهد نفسها في فترة البعثة الثانية أيضا. ولكن نضرة الإسلام وخضرته منوطة بالمسيح الموعود (عليه السلام) وجماعته شاء المشايخ المزعومون أم أبوا. إذا كان العدو يحاول تضييق الخناق على الجماعة أكثر من ذي قبل فإن النجاحات أيضا تتراءى للعيان بقوة وشأن أكبر مما سبق بكثير. لقد وعد اللهُ تعالى المسيحَ الموعود (عليه السلام) في عام 1883م حين لم يكن قد أخذ البيعة ولم يكن قد أعلن دعواه بعد، عندها قال الله له: إن مع العسر يسرا. أي سيأتي الضيق والعسر ولكن سيليه الفرَج والانتصارات المتتالية. هذا هو المعنى الذي أشار إليه المصلح الموعود (رضي الله عنه) فاخترتها أنا أيضا. يقول اللغويون بأن الله تعالى قد جعل "العسر" معرفًا بلامِ التعريف، أما "يسر" فوسَّع معانيه بإيراده نكرة دون لامِ التعريف. أي سيكون هناك العسر والضيق، ولا بد أن تمروا بظروف عصيبة ولكن بعد كل صعوبة وضيق ستُقَدّر لكم انتصارات لا تعد ولا تحصى. هذا ما تتميز به الجماعات الإلهية. والدين الذي وعد الله تعالى بإبقائه بالعز والشرف إلى يوم القيامة نرى تحقُّق كل هذه العلامات فيه، إذ يتقدم إلى الأمام باستمرار. فكيف لا نوقن على وجه البصيرة أن معارضة هؤلاء المشايخ لن تضرنا شيئا؟


فبتضحية بعض أفراد الأمة بأرواحهم لا تموت الأمم، بل عندما تقدم هذه التضحيات بالأرواح بالحماس والشوق والعزم فإن ذلك يطيل حياة الأمم والجماعة، ويزيدها قوة. ثم إذا كانت وعود الله تقوّي الإيمان بجلاء هذه التضحيات والعزائم، فتبدو التضحيات والمضايقات بسيطة هينة ويتراءى التقدم والرقي بشأن جديد، فقد وعد الله (سبحانه وتعالى) سيدنا المسيح الموعود (عليه السلام) أيضا في شتى المناسبات وبمختلف الأساليب، وقد طمأنه قبل إعلان دعواه بزمن طويل واستمر في ذلك بعد ذلك أيضا أن المهمة التي من أجلها أود أن أبعثك فإنني معك مهما كانت عويصة وأنك سترى الغلبة والانتصار. ذات مرة أوحى الله إليه مدلول آية {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ}(الفتح 2-3) كما أوحى إليه نص هذه الآية أيضا في آونة أخرى. وقد وضَّح سيدنا المسيح الموعود (عليه السلام) في كتاب البراهين الأحمدية، بقوله: لقد مننا عليك بفتح مبين أي سنمنّ عليك بفتح مبين، أما بعض المكاره والشدائد التي تعترض الطريق فلكي يغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، أي لو أراد الله (سبحانه وتعالى) لكان قادرا على أن يحقق الهدف المنشود دون أن يطرأ أي نوع من المشاكل، ويتحقق الفتحُ العظيم بسهولة لكن المصاعب تظهر لكي تُكسب الإنسان رفع المراتب (لكي ترفع الإنسان مرتبةً) ومحوَ الخطايا، ثم أردف قائلا: اليوم عندما كان هذا العبد المتواضع يقرأ المسوّدة قَصْدَ التصحيح أي عندما كان حضرته (عليه السلام) يؤلف كتاب البراهين الأحمدية رأيت في عالم الكشف أني أعطيت بعض الأوراق في يدي وقد كُتب عليها "دُقَّت طبول الفتح" ثم قلَبها لي أحدُهم مبتسما ليُريني صورةً وقال لي: انظر ماذا تقول صورتك؟ فلما رأيتها كانت صورةَ هذا العبد المتواضع وكنت ألبس حلة خضراء وكانت الصورة صورة مهيبة جدا كأنه قائد فاتح مسلَّح، وقد كُتب على يمينها ويسارها "حجةُ الله القادر وسلطان أحمد المختار".
ففي ضوء هذه المبشرات لا يساورنا أدنى شك في أن الجماعة لن تتضرر أبدا بالمضايقات التي تُفرض علينا من قِبل أعداء الأحمدية والمظالم التي يمارسونها علينا بها. فإن فشل مكائد الأعداء أو عدم تمكنهم من هدفهم المنشود يمثل لنا فتحا وانتصارا ويهدي إلى معالم الفتح.


أما طبول الفتح فستُدق حتما عند تحقُّق الفتحِ العظيم الذي سيراه العالم بأسره كما وعد الله (عز وجل) المسيحَ الموعود (عليه السلام).
إن الأضرار التي يُلحقها الأعداءُ الأحمديينَ بين حين وآخر سواء أكانوا في مصر أو في إندونيسيا أو في ماليزيا أو في سيريلانكا أو في الهند أو في بنغلاديش أو في باكستان لن تُكسب الأعداء أي نجاح. فقبل بضعة أيام في بلدة نائية في بنغلاديش تسمى "تشاند تاره" حيث يتواجد فرعٌ صغير لجماعتنا الإسلامية الأحمدية، عندما كان الأحمديون يوسِّعون المسجد هاجمهم الغوغائيون بما فيهم المشايخ فجرحوا الأحمديين وهدموا المسجد وألحقوا ببيوت الأحمديين أضرارا وأشعلوا النار في أثاثها وأصابوا الرجال بجروح بالغة. وعندما وصل إلى هناك وفدٌ من دكا مركزِ الجماعة في بنغلاديش، وحين سألوا النساء ليطمئنّوا عليهن قالت إحداهن: – رغم أن المعروف عن النسوة أنهن ضعيفات – لن يتمكن الأعداء من ردِّنا عن الإيمان، ونـزْع الإسلام من صدورنا مهما ألحقوا بنا الضرر وآذَونا. مع أنه كان لديها صدمةٌ أثارت بكاءها بسبب أنهم الآن لا يستطيعون بناء المسجد حيث توقفت أعمال البناء.
أما باكستان فهناك تسجَّل أشنعُ أمثلة للظلم والبربرية حيث يبدو أن هؤلاء لا يؤمنون بقدرة الله (عز وجل) وقوته أيما إيمان، فلو كانوا يؤمنون به لما أباحوا هذا الظلم باسم الله (سبحانه وتعالى)، إذ قد بلغ عدد الشهداء من رمضان الماضي إلى رمضان الحالي 99 شهيدا حيث قتل هؤلاء الظالمون 86 شهيدا في يوم واحد، فإن دماء الأحمديين في نظر هؤلاء الظالمين شيء تافه لا قيمة له، وإن الله (سبحانه وتعالى) هو الآخر حسب زعْمهم لا يعبأ بسفك هذه الدماء والعياذ بالله. فليتذكر هؤلاء السفاكون أن الله (سبحانه وتعالى) سيأخذ منهم حساب كل قطرة من هذه الدماء لا محالة، وسيتقبل كلَّ قطرة من هذه الدماء بقبول حسن ويكرمها – كما نلاحظ الآن أيضا – بحيث يُدنينا كل حين وآن من تحقُّق وعْد الله (سبحانه وتعالى) بفتح مبين.


بعد أحداث لاهور ذاع صيت الجماعة في العالم على نطاق واسع، وكنا نحتاج عقودا من الزمن لمثل هذا الصيت لو بقينا على وسائلنا. صحيح أن الجماعة كانت معروفة، غير أنه لم يكن يُلتفت إليها كما حصل الآن.

فهؤلاء الشهداء بإحرازهم درجة الشهادة لم ينالوا الحياة الأبدية في العالم الآخر فحسب بل قد قد تسببوا بفداء أرواحهم في نشر رسالة المسيح الموعود (عليه السلام) في أرجاء المعمورة. الواقع أن ناشر الرسالة هو الله (سبحانه وتعالى) كما هو ينشر الآن وسيظل ينشر، غير أنه يتخذ وسائل مختلفة وقد جعل الشهداء أيضا وسيلة سريعة لنشر هذه الرسالة، فالسعداء هؤلاء المضحّون.


يُقتل في هذه الأيام في باكستان عشراتُ المسلمين الأحمديين وعشرات المواطنين من عامة المسلمين ويخسر عشراتُ أتباع الديانات الأخرى أرواحَهم بأيدي الإرهابيين وتسقط ضحايا كثيرة من الأرواح البريئة، ويصبح الأولاد يتامى وتترمل الزوجات الشابات، ويفقد الآباء والأمهات في الكبر سندهم من أبنائهم الشباب، لكن لا هؤلاء القتلى يعرفون لماذا قُتلوا ولا أقاربهم يعرفون لماذا قُتل أقاربهم الأعزة؛ أما المسلم الأحمدي في باكستان فحين يخرج من البيت يعرف أنه في أي لحظة معرَّض للقتل، ولكنه يدرك جيدا أنه إذا قُتل فلهدف نبيل. كما يعرف أبناء الشهداء وزوجاتهم وآباؤهم أن أعزاءهم ضحّوا بحياتهم من أجل هدف عظيم. وإذا كانوا بفداء أنفسهم جعلوا حياتهم خالدة ففي الوقت نفسه رفعوا رؤوس ذويهم شرفا وفخرا. ولقد تلقيت ولا أزال أتلقى رسائل كثيرة بهذا الموضوع تفيد بأنهم لم يكونوا يعرفون كم رفَع أقاربُهم الشهداءُ مكانتهم في المجتمع، فهذه فوائد شخصية، أما الفوائد على مستوى الجماعة فهي كثيرة ومنها تقوية إيمانهم أيضا فأنا أتلقى الرسائل العديدة بهذا الموضوع أيضا بأن مخاوفهم قد زالت بعد هذه القرابين وتنشأ لديهم رغبةٌ عارمة في الاستشهاد، ونشأ لديهم التفاتٌ إلى إزالة الكسل والقصور. ثم إن آفاقا جديدة قد اكتُشفت لتبليغ رسالة الأحمدية. فصحيح أن شهداءنا قدموا تضحية جليلة لكن أسلاك الانقلاب التي تتحرك وراءها تلفت انتباهنا إلى أن العيد الحقيقي سيأتي يومَ يُحدث الناس تغييرات روحانية ببركة هذه التضحيات ويُحدث العالم كلُّه هذه التغييرات الروحانية، عندما يُجمع العالم كله تحت راية سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم). فهذه الأوضاع السيئة التي تُفرض على الأحمديين تنبئ بأنهم يعيشون ساعة العسر بلا شك، غير أن ظروف اليسر أيضا ستأتي بعد هذا العسر حسب وعود الله (سبحانه وتعالى) مع المسيح المحمدي وستسجَّل فيها أبواب منيرة لهذه القرابين حيث تُدق طبول الفتح العظيم بإذن الله تعالى كما قد وعد به المسيحَ الموعود (عليه السلام). في المستقبل عندما سيعقد الاحتفال بفتح الأحمدية أي الإسلام الحقيقي، أو عندما يحتفل بالعيد لإبداء أفراح الفتح، فلا يمكن أن ينسى تاريخُ الأحمدية تضحياتِ هؤلاء الشهداء، فسوف نخبر العالم أن هذه أفراح الفتح التي تحتفلون بها اليوم والعيد الذي تحتفلون به فإن فضلها يعود إلى تضحيات الشهداء الذين قدموها بسفك دمائهم. فالعدو يزعم أن دم الأحمدي رخيص بينما الحقيقة أن قيمته ترتفع يوما بعد يوم. فالتاريخ لم ينسَ تضحيات المسلمين في القرون الأولى حتى اليوم ولن ينسى أبدا تضحياتِ الذين يسعون لاقتفاء آثارهم أيضا، فأولاد الشهداء وزوجاتهم وآباؤهم وأمهاتهم وإخوتهم ونحن جميعا يجب أن نحتفل بالعيد ممتنّين لشهدائنا الأعزاء على أنهم إذا كانوا كتبوا تاريخ الجماعة بدمائهم ففي الوقت نفسه علَّمونا نحن أيضا أساليبَ الاحتفال بالعيد. نحن نلاحظ من بضعة أعوام ماضية أننا إذا كنا نضحي بالامتناع عن تناول الحلال في رمضان لتطهير النفس وبعده نحتفل بالعيد بأمر من الله (سبحانه وتعالى) فهناك بعض منا ورثوا الجنات بالتضحية بأرواحهم في رمضان وفازوا بعيد حقيقي، وظفروا برضوان الله تعالى. وصحيح أن أقاربهم يتألمون بهذا الوضع كثيرا وهذا الوضع صعب جدا إذ لا يمكن لإنسان أن ينسى الحزن الذي يصيبه إثر وفاة أقاربه، وفي أيام الأعياد يتجدد هذا الحزن المترتب على الفراق أكثر وتزداد وطأته أكثر، أما في هذا العام فكما ذكرت لكم قد استُشهد 99 أحمديا في الفترة ما بين رمضان العام الماضي إلى رمضان هذا الحالي، فعدد من الأرامل يُكملن العدة حيث يعشن حالة الحزن رغم العيد، وعدد من الأولاد حُرموا من شفقة آبائهم في العيد، كثير من الأمهات اللاتي كن يعايدن فلذات أكبادهن في الماضي بضمهم إلى الصدور، سيتوجهن الآن إلى قبورهم ليُثلجن صدورهن بالدعاء لهم، هناك كثير من الآباء الذين كانوا يذهبون لأداء صلاة العيد بمساعدة أبنائهم الشهداء سيتوجهون الآن بمساعدة غيرهم إلى قبورهم للدعاء لهم، وهذا الوضع لا بد أن يكون مدعاة لاضطراب أصدقائهم أيضا ناهيك عن أقاربهم، ويصيبهم بحزن بدلا من أفراح العيد.
لكننا إذا فكرنا قليلا سنجد الكثيرين يموتون في العالم في رمضان والعيد ولا يجد أقاربهم بدا من الصبر على وفاتهم، أما هؤلاء الشهداء الأحمديون فقد ضحَّوا بحياتهم ليمتِّعوا الجماعة بالحياة، حيث ضحّوا بأرواحهم وفاءً بالعهد الذي قطعوه مع سيدنا المسيح الموعود (عليه السلام) العاشقِ الصادق للنبي محمد (صلى الله عليه وسلم)وابتغاءَ مرضاة الله، فلا مبرر لامتناعنا عن الاحتفال بالعيد اليوم نحن أيضا، فإذا احتفلنا بالعيد في يوم العيد هذا وعرضنا أحزان قلوبنا على الله (سبحانه وتعالى) فستكون هذه الأدعية سببا لرفع درجات هؤلاء الشهداء أكثر من ناحية ومن ناحية أخرى تجلب لنا أيضا سكينة، وسيتبدل عهد العسر المؤقت بعهد اليسر الواسع إن شاء الله.


إن جميع إلهامات سيدنا المسيح الموعود (عليه السلام) عن العيد تبشرنا بأفراح العيد لذا لا يمكن أن نمتنع عن الاحتفال بالأعياد التي هيأها الله (سبحانه وتعالى) لنا وألا نشارك في الأفراح التي قدِّرت لإمام هذا الزمان. فمما أوحي إليه (عليه السلام) ما معناه: "مجيء العيد مبارك لك. لقد حلّ العيد، احتفلوا به أو لا تحتفلوا". فمعنى الجزء الأول أن مجيء العيد مبارك للمسيح الموعود (عليه السلام) وبواسطته مبارك للجماعة الإسلامية الأحمدية فللأمة الإسلامية بأسرها. وسيكون العيد مبارك للأمة الإسلامية بمعنى حقيقي عندما يؤمنون بحضرته (عليه السلام) وإلا قد قال الله (سبحانه وتعالى) بصراحة ووضَّحه المصلح الموعود  في موضع بأسلوب جذاب وهو أن الله (سبحانه وتعالى) ببعثة المسيح الموعود (عليه السلام) قد هيأ وسائل العيد للمسلمين كما وفّر الفرص لنيل النجاحات المقدرة مع يُسرٍ، فالذين آمنوا به فعيدهم مبارك، أما الذين لم يؤمنوا به فهم المحرومون. ثم يبشر الله (سبحانه وتعالى) بالفتح مع العيد فيقول: "العيد الآخر تنال منه فتحا عظيما" أي هناك عيد آخر تفوز فيه بفتح عظيم. فإذا كان الله (عز وجل) يبشر المسيح الموعود (عليه السلام) بالفتوحات في سياق ذكر العيد فلمَ لا نشارك إمامَ الزمان في أفراحه العظيمة ناسِين أحزاننا؟ ففي حالة حزننا هذه لا شك أن عيوننا تذرف الدموع ابتغاء مرضاة الله تعالى، لكنها أمام الله تعالى لا لإظهار الضعف أمام العدو، فنحن لا نرفع أي شكوى، ونؤمن يقينا أن هذه الدموع ستُقرّبنا إلى الفتوحات.


كما قلت قبل قليل إن الحياة تُنغَّص على الأحمديين في باكستان ويُضيَّق عليهم الخناق، حيث تمارَس عليهم المظالم كثيرة ولكنهم يقاومونها متمسكين بالشجاعة والصبر، لذا من واجب جميع الأحمديين في العالم أن يدعوا لهم لأنهم رغم مشاهدة كل هذه المخاوف وجها لوجه يحتفلون بالعيد ببسالة، فالعيد الحقيقي عيدهم. ولعل الأحمديين في خارج باكستان لا يقدّرون هول مكائد الأعداء، ونقدِّم مثالا على ذلك حادثة مردان حيث حاول الأعداء إلحاق الدمار الكبير بالهجوم التفجيري في مسجدنا لكن الله سلَّم وفشلت المحاولة. فلاحظنا أن الأعداء يسعون جاهدين لإلحاق الأضرار بنفوس الأحمديين ومبانيهم، ومن المؤكد أن مجيء الأحمديين إلى المسجد في هذه الأوضاع الخطرة يعدّ بسالة وشجاعة، وصورةٌ عملية للوفاء بعهد الاستعداد للتضحية بالروح كل حين وآن. فالرجال في كل حال يأتون إلى المسجد، أما النساء والأولاد فقد منعهم نظامُ الجماعة من حضور المسجد والاجتماع في مكان واحد حفاظا على سلامتهم. فبعض النساء يُبدين الاضطراب في رسائلهن إلي، ولعلها المرة الأولى التي يمنع الأولاد والنساء في باكستان من الاجتماع في مكان لصلاة العيد منْعا باتّا، وكان لا بد من اتخاذ هذه الخطوة نظرا للمكائد الظالمة لأعداء الجماعة. وبسبب ذلك يسود اضطراب شديد في الأولاد والنساء، فأقول لهؤلاء الأولاد والنساء: إذا كنتم نُهيتم من حضور المسجد وأداءِ صلاة العيد في المسجد نظرا لمكائد الأعداء فحرصا على حمايتكم فقط، لأن اتخاذ الوسائل الظاهرة وتوفير مقتضيات الحذر والحيطة واجب شرعا وعقلا.
فإذا كنتم لا تتمكنون من أن تصلوا صلاة العيد في المساجد والساحات المخصصة لها أفليس بإمكانكم أن تملأوا بيوتكم تضرعًا وبكاءً؟ بل عليكم ملئها بالتضرع والابتهال حتى يأتي الله تعالى ويواسيكم بنفسه قائلا يا إمائي ويا أطفالي إن وعد الله حقٌّ حيث قال: {إن مع العسر يسرًا} فلا بد أن يأتي هذ اليسر، فسيأتيكم حتمًا وسنبدل أيام ضيقكم وخسارتكم بالفرج والفلاح والنجاح، ولا بد أن نحقق الوعود التي قطعناها مع المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام. فعليكم ألا تدخروا وسعا في الخضوع أمام الله تعالى والتضرع إليه.
هناك إلهام للمسيح الموعود (عليه السلام): "يقول الأطفالُ ليس العيد غدًا بل هو بعد غدٍ." فعلينا أن ندعو كثيرًا أن يأتي في حياتنا ذلك العيد الحقيقي الذي قُدّر له أنه إن لم يحلّ غدًا فسيحلّ بعد غدٍ حتمًا، كما ندعو ألا يتأخر تحقق تلك الوعود بسبب بعض تقصيراتنا وضعفنا. مما لا شك فيه أن الله تعالى سيهب هذه الجماعة الغلبة التي تكون فتحًا مبينًا، ولكن متى يأتي هذا الفتح؟ هذا ما يعلم به الله تعالى وحده.


كان لي خطاب أثناء الجلسة السنوية الأخيرة في ألمانيا في الضيوف الألمان فقلت لهم: لعلكم تعتبرون ما سأقوله لكم ادعاءً فارغًا إلا أننا على يقين تام أن النظام الذي أقامه الله تعالى بواسطة المسيح الموعود (عليه السلام) سيسود العالم في نهاية المطاف، ولا يمكن لأحد أن يغير هذا القدر الإلهي، إلا أنه سيقام بالحب والرأفة وليس بفرض الهيمنة على البلاد الأخرى، ولا بالإرهاب ولا بقتل الأبرياء، ولا بالسيطرة على اقتصاد الآخرين ولا على أرضهم ولا بالتآمر مع القوى السياسية، بل بالإخلاص سنقيم ملكوت الله تعالى في الأرض، هذا هو هدفنا ولسوف يحققه الله تعالى. فاليوم الذي ننجح فيه بإقامة حكم الله تعالى في الأرض يكون لنا يومَ عيدٍ حقيقي. فإذا كان الأحمديون يُستشهَدون، ويضحّون، ويضطرون للهجرة من بيوتهم فإنما يقومون بذلك لاستقبال ذلك العيد الذي قُدّر مجيئه للأحمديين. إن الليالي التي تتراءى لنا اليوم على الجماعة الأحمدية لهي ليالي القدر في عين الله تعالى التي تسبق أفراح العيد في كل رمضان، كما أن مثل هذه الليالي تأتي في زمن رسل الله تعالى ومبعوثيه. ولقد بينت تفصيل هذا الموضوع في خطبة الجمعة الماضية أيضا. إنها تلك الليالي التي تنال قبولاً في حضرة الله تعالى فتُحدث إنقلابا عظيما، ثم لا يأتي بعده عيدٌ واحد فحسب بل تبدأ سلسلة من الأعياد. فماذا لو كانت الجماعة اليوم تمر من عَصر "العُسر" في باكستان وفي بعض البلدان الأخرى، لأن هذا العسر يشير إلى سبل اليسر والفتوحات. فعلينا أن نضع هذا التفكير نصب أعيننا ونستعين بالله بالصبر والصلاة ونطلب لقاءه، ونجعل هذا الألم والغم مدعاة لنيل رضى الله تعالى، وهذا الغم الذي هو عبارة عن فراق أحبائنا الذين قدموا تضحية بأنفسهم، كما إنه عبارة عن عدم تمكن النساء والأطفال من المشاركة في أفراح العيد بسبب الظروف الراهنة. وادعوا الله تعالى أن يكون صبرنا مقبولا عند الله تعالى وبالتالي يحظى تقديرًا منه، لأنه لو حصل لشهد العالم كله بأعينه تحقق المقولة: إن التضحيات ودماء الشهداء لن تذهب هدرًا. تعالوا ندعو الله تعالى أن يكون صبرنا وهممنا جاذبة لحب الله تعالى وأن تكون مدعاة لهطول أمطار فضل الله تعالى أكثر من ذي قبل، وأن يهَبَنا الله تعالى أفراح العيد الذي هو العيد الحقيقي عنده.
وأقدم بهذه المناسبة التهاني القلبية بالعيد لكم أنتم الذين تجلسون أمامي الآن وللأحمديين في كل أنحاء العالم سواء يستمعون إلى هذه الخطبة أم لا.


والآن سنقوم بالدعاء ولا بد أن ندعو لرفع درجات شهداء الأحمدية وندعو لذويهم وأن يحقق الله تعالى أمنياتهم الطيبة، ويحفظهم بل ندعو للأحمديين في باكستان أن يحفظهم الله تعالى ويبدل همومهم وآلامهم أفراحًا، وأن ندعو للسجناء في سبيل الله أن يهيئ الله تعالى أسبابًا لفك أسرهم، وندعو الله تعالى ليبارك بركات كثيرة في أموال ونفوس الذين يقومون بالتضحيات المالية.
علاوة على ذلك عليكم بالدعاء لمن يقومون في هذه الأيام بحراسة بعض المباني الهامة للجماعة أن يحفظ الله تعالى أموالهم ونفوسهم. وادعو الله تعالى كثيرًا للأحمديين في باكستان خصوصًا -كما قلت سابقًا - وللأحمديين في العالم كله بشكل عام أن يحفظهم الله تعالى جميعًا من كل سوء ومكروه وشرور، كما ندعو لأنفسنا أيضا أن يجعلنا الله تعالى عباده المخلصين.


بعد الخطبة الثانية والدعاء قال حضرته:
أريد أن أعلن بكل اعتذار، بل أريد أن أعتذر فأقول: اعتدتُ أن أصافح الإخوة بمناسبة العيد ولكن منذ أربعة أو خمسة أيام بدأتْ آلام قوية في ذراعي، ونصحَني الطبيب أن لا أصافح. بقيت أقوم بكل أعمالي إلى الآن بعد أخذ المسكّنات القوية، وبفضل الله تعالى لم تتأثر أعمالي إلى الآن ولكن إذا صافحت أربعة أو خمسة آلاف شخص فلا بد أن يتفاقم المرض قليلا، لذلك من الأحوط لي كما أرى من خلال شعوري بالآلام وبحسب نصيحة الطبيب أن لا أصافح، بل أعتذر وأكتفي بقول: عيد مبارك، إلا أنني سأتوجه إلى جميع القاعات وأقول للإخوة كل عام وأنتم بخير، وبعده يمكنكم المغادرة إلا إذا طلب المسؤولون منكم البقاء لبعض أمور تتعلق بالنظام.

خطبة الجمعة

خطبة الجمعة التي ألقاها سيدنا الخليفة الخامس - نصره الله تعالى - في 27/09/2019

خطبة الجمعة التي ألقاها سيدنا الخليفة الخامس - نصره الله تعالى - في 27/09/2019

مشاهدة الخطبة

الأخبار
افتتاح مسجد جديد في فيسبادن من قبل إمام الجماعة الإسلامية الأحمدية العالمية
إمام الجماعة الإسلامية الأحمدية يلقي خطابًا تاريخيًا في مقر الأمم المتحدة للثقافة والعلوم (اليونسكو)
إمام الجماعة الإسلامية الأحمدية العالمية يلقي الخطاب الرئيس في حفل افتتاح مسجد جديد للجماعة في ستراسبورغ
إمام الجماعة الإسلامية الأحمدية العالمية يفتتح مسجدًا جديدًا في ستراسبورغ في فرنسا
اختتام الجلسة السنوية للجماعة الإسلامية الأحمدية في فرنسا لعام 2019 بخطابٍ ملهم للإيمان
إمام الجماعة الإسلامية الأحمدية يقول إن إلقاء اللوم على الإسلام حول الصراعات العالمية سيزيد فقط الانقسام وسيرسخ عدم الاستقرار في العالم.
بدء الجلسة السنوية في فرنسا لعام 2019 في باريس
افتتاح مسجد جديد للجماعة الإسلامية الأحمدية في ألميره في هولندا
اختتام الجلسة السنوية للجماعة الإسلامية الأحمدية في هولندا بخطابٍ ملهمٍ للإيمان
الاشتراك في القائمة البريدية

انضموا للقائمة البريدية واطلعوا على كل ما هو جديد في الموقع.